عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
68
اللباب في علوم الكتاب
فإن قيل : ما فائدة التكرار في الآيتين في قوله : لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً ؟ فالجواب : أن فائدة التكرار أمور : أحدها : أن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لا شك أنهم كانوا كافرين أولا ، ثم آمنوا ، ثم كفروا بعد ذلك ، وهذا يدلّ على شدّة الاضطراب ، وضعف الرأي ، وقلّة الثبات ، ومثل هذا الإنسان لا خوف منه ، ولا هيبة له ، ولا قدرة له على إلحاق الضّرر بالغير . ثانيها : أن أمر [ الدّين ] « 1 » أهمّ الأمور وأعظمها ، ومثل هذا مما لا يقدم الإنسان فيه - على الفعل ، أو على التّرك - إلا بعد إمعان النّظر ، وكثرة الفكر ، وهؤلاء يقدمون على الفعل ، أو على الترك في هذا المهم بأهون الأسباب وأضعف الموجبات ، وهذا يدلّ على قلّة عقولهم ، وشدة حماقتهم ، وأمثال هؤلاء لا يلتفت العاقل إليهم . ثالثها : أن أكثرهم إنما ينازعونك في الدّين لا بناء على الشّبهات ، بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدّنيا ، ومن كان عقله بهذا القدر - وهو بيع السعادة العظيمة الأخروية بالقليل الفاني من سعادة الدنيا - كان في غاية الحماقة ، ومثله لا يقدر على إلحاق ضرر بالغير ، واللّه أعلم . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 178 ] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 178 ) قرأ الجمهور « يحسبن » بالغيبة ، وحمزة بالخطاب « 2 » ، وحكى الزّجّاج عن خلق كثير « 3 » كقراءة حمزة إلا أنهم كسروا « أنما » ونصبوا « خير » وأنكرها ابن مجاهد - وسيأتي إيضاح ذلك - وقرأ يحيى بن وثاب « 4 » بالغيبة وكسر « إنما » . وحكى عنه الزمخشري - أيضا - أنه قرأ بكسر « أنما » الأولى وفتح الثانية مع الغيبة « 5 » ، فهذه خمس قراءات . فأما قراءة الجمهور ، فتخريجها واضح ، وهو أنه يجوز أن يكون الفعل مسندا إلى « الذين » و « أن » وما اتصل بها سادّة مسد المفعولين - عند سيبويه - أو مسدّ أحدهما ، والآخر محذوف - عند الأخفش - ويجوز أن يكون مسندا إلى ضمير غائب ، يراد به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي لا يحسبن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . فعلى هذا يكون « الذين كفروا » مفعولا أول ، وأما الثاني فسيأتي الكلام عليه في قراءة حمزة ، لتتحد هذه القراءة - على هذا الوجه - مع قراءة حمزة رحمه اللّه ، وسيأتي تخريجها .
--> ( 1 ) في أ : الدنيا . ( 2 ) انظر : السبعة 219 - 220 ، والحجة 3 / 101 ، وحجة القراءات 182 ، وإعراب القراءات 1 / 123 ، والعنوان 81 ، وشرح الطيبة 4 / 176 ، وشرح شعلة 327 ، وإتحاف 1 / 495 . ( 3 ) انظر : معاني القرآن 1 / 491 . ( 4 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 545 ، والبحر المحيط 3 / 128 ، والدر المصون 2 / 266 . ( 5 ) انظر : الكشاف 1 / 444 .