عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

57

اللباب في علوم الكتاب

فقالوا : أين تريدون ؟ قالوا : نريد المدينة قالوا : ولم ؟ قالوا : نريد الميرة ، قال فهل أنتم مبلّغون محمدا عني رسالة وأحمّل لكم إبلكم زبيبا ب « عكاظ » غدا إذا وافيتمونا ؟ قالوا : نعم ، قال فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد جمعنا إليه وإلى أصحابه ؛ لنستأصل بقيتهم ، وانصرف أبو سفيان إلى مكة . ومرّ الركب برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو ب « حمراء الأسد » فأخبروه بالذي قال أبو سفيان ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : حسبنا اللّه ونعم الوكيل ، ثم انصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة . هذا قول أكثر المفسّرين . الثاني : قال الأصمّ : نزلت هذه الآية في يوم أحد ، لما رجع الناس إليه صلى اللّه عليه وسلم بعد الهزيمة ، فشدّ بهم على المشركين حتى كشفهم وكانوا قد هموا بالمثلة ، فدفعهم عنها بعد أن مثّلوا بحمزة ، فقذف في قلوبهم الرّعب ، فانهزموا ، وصلى عليهم صلى اللّه عليه وسلم ودفنهم بدمائهم . وذكروا أن صفية جاءت لتنظر إلى أخيها حمزة ، فقال صلى اللّه عليه وسلم للزبير : ردّها ؛ لئلا تجزع من مثله أخيها ، فقالت : قد بلغني ما فعل به ، وذلك يسير في جنب طاعة اللّه تعالى ، فقال صلى اللّه عليه وسلم للزّبير : فدعها ، لتنظر إليه ، فقالت خيرا ، واستغفرت له . وجاءت امرأة - قتل زوجها وأبوها وأخوها وابنها - فلما رأت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو حيّ قالت : كل مصيبة بعدك هدر « 1 » . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 173 إلى 174 ] الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ( 173 ) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ( 174 ) في قوله : « الذين » ما تقدم في : « الذين » قبله ، إلا في رفعه بالابتداء . وهذه الآية نزلت في غزوة بدر الصّغرى ، روى ابن عباس أن أبا سفيان لما عزم على أن ينصرف من المدينة إلى مكّة - قال : يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى ، فنقتتل بها - إن شئت - فقال صلى اللّه عليه وسلم لعمر : قل : بيننا وبينك ذلك - إن شاء اللّه - فلما كان العام المقبل ، خرج أبو سفيان في أهل مكة ، حتى نزل « مجنة » من ناحية « مرّ الظهران » فألقى اللّه تعالى الرّعب في قلبه ، فبدا له أن يرجع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعيّ - وقد قدم معتمرا - فقال له أبو سفيان : يا نعيم ، إني واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر ، وإن هذا عام جدب ، ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن ، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها ، ولكن إن خرج محمّد - ولم أخرج - زاد بذلك جرأة ، ولأن يكون الخلف من قبلهم أحبّ إليّ من أن يكون من قبلي ، فالحق بالمدينة فثبّطهم ، ولك عندي عشرة من الإبل ، أضعها على يد سهيل بن عمرو ويضمنها . قال : فجاء سهيل ، فقال له نعيم : يا أبا يزيد أتضمن لي هذه القلائص ، فأنطلق إلى محمّد فأثبطه ؟ قال :

--> ( 1 ) ينظر تفسير الرازي 9 / 79 .