عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

530

اللباب في علوم الكتاب

« حرض » ؛ قال - تعالى - : حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً [ يوسف : 85 ] وأحرضه كذا ، قال : [ البسيط ] 1846 - إنّي امرؤ رابني همّ فأحرضني * حتّى بليت وحتّى شفّني السّقم « 1 » فصل دلّت الآية على أنّه لو لم يساعده على القتال غيره ، لم يجز له التّخلّف عن الجهاد ألبتّة ، والمعنى : لا تؤاخذ [ إلا ] « 2 » بفعلك دون فعل غيرك ، فإذا أدّيت فرضك لا تكلّف بفرض غيرك ، واعلم : أنّ الجهاد في حقّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم واجب ، فإنه على ثقة من النّصر والظّفر ؛ لقوله - [ تعالى ] « 3 » - : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] ، وقوله ههنا : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وعسى من اللّه : جزم واجب فلزمه الجهاد وإن كان وحده بخلاف أمّته ، فإنه فرض كفاية ، فما لم يغلب على الظّنّ أنه يفيد ، لم يجب . وقوله : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي : قتال المشركين والبأس أصله المكروه ، يقال : ما عليك من هذا الأمر بأس ، أي : مكروه ، ويقال : بئس الشّيء هذا إذا وصف بالرّداءة : قال - تعالى « 4 » - : بِعَذابٍ بَئِيسٍ [ الأعراف : 16 ] ، والعذاب قد يسمّى بأسا ؛ لكونه مكروها ؛ قال - تعالى - : فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا [ غافر : 29 ] ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا ، فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا . قوله : وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا « بأسا » و « تنكيلا » : تمييز ، والتّنكيل تفعيل من النّكل وهو القيد ، ثم استعمل في كلّ عذاب يقال : نكلت فلانا ؛ إذا عاقبته عقوبة تنكل غيره عن ارتكاب مثله ، من قولهم : نكل الرّجل عن الشّيء ؛ إذا جبن عنه وامتنع منه ؛ يقال : نكل فلان عن اليمين ؛ إذا خافه « 5 » ولم يقدم عليه ، قال - تعالى - : فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها [ البقرة : 66 ] وقال في حدّ السّرقة « 6 » : جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ [ المائدة : 38 ] ، فقوله : وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً أي : أشد صولة وأعظم سلطانا ، وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا أي : عقوبة ، وبيان هذا التّفاوت أنّ عذاب اللّه دائم ، وعذاب غيره لا يدوم ، وعذاب اللّه لا يقدر أحد على التّخلّص منه ، وعذاب غيره يتخلّص منه . قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 85 ] مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ( 85 ) في تعلّق هذه الآية بما قبلها وجوه :

--> ( 1 ) البيت للعرجي . ينظر القرطبي 9 / 250 وروح المعاني 5 / 19 ومجاز القرآن 1 / 317 والطبري 16 / 222 وأمالي ابن الشجري 1 / 369 والصحاح 3 / 1070 واللسان ( حرض ) والدر المصون 2 / 404 . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في أ : ثعلب . ( 5 ) في ب : خاف . ( 6 ) في ب : السارق .