عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
528
اللباب في علوم الكتاب
قلنا : ليس هذا استنباطا ، بل هذا إبقاء لما كان على ما كان ، ومثل هذا لا يسمّى استنباطا . وأما الرابع : وهو أن هذا الاستنباط إنّما يجوز عند حصول العلم ، والقياس الشّرعيّ لا يفيد العلم . فنقول : جوابه من وجهين : أحدهما : أنّه عندنا يفيد العلم ؛ لأن ثبوت أن القياس حجّة يقطع بأنّه مهما غلب على الظّنّ أنّ حكم اللّه في الأصل معلّل بكذا ، ثمّ غلب على الظّنّ أنّ ذلك المعنى قائم في الفرع ، فهنا يحصل ظنّ أنّ حكم اللّه في الفرع مساو لحكمه في الأصل ، وعند هذا الظّنّ يقطع بأنّه مكلّف بأن يعمل على وفق هذا الظّنّ ؛ فالحاصل : أن الظّنّ واقع في طريق الحكم ، وأما الحكم فمقطوع « 1 » به ، وهو يجري مجرى ما إذا قال اللّه - تعالى - : مهما غلب على ظنّك كذا ، فاعلم أنّ حكمي في الواقعة كذا ، فإذا غلب الظّنّ قطعنا بثبوت ذلك الحكم . وثانيهما : أن العلم قد يطلق ويراد به الظّنّ ؛ قال - عليه الصلاة والسلام - : « إذا علمت مثل الشّمس فاشهد » شرط العلم في جواز الشّهادة ، وأجمعنا على أنّ عند الظّنّ تجوز الشّهادة ؛ فثبت أنّ الظّنّ قد يسمّى بالعلم . فصل في رد شبهة للمعتزلة دلّت [ هذه ] « 2 » الآية على أنّ الذين اتّبعوا الشّيطان ، قد منعهم اللّه فضله ورحمته وإلا ما كان يتبع ، وهذا يدلّ على فساد قول المعتزلة : في أنّه يجب على اللّه رعاية الأصلح في الدّين . أجابوا : بأن فضل اللّه ورحمته [ عامّات في حق الكلّ ، لكن المؤمنين انتفعوا به ، والكافرين لم ينتفعوا به فصحّ على سبيل المجاز أنه لم يحصل للكافرين فضل اللّه ورحمته ] « 3 » في الدّين . والجواب : أن حمل اللّفظ على المجاز خلاف الأصل . قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 84 ] فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً ( 84 ) قوله - تعالى - : « فقاتل » : في هذه الفاء خمسة أوجه : أحدها : أنّها عاطفة هذه الجملة على جملة قوله : فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ النساء : 74 ] .
--> ( 1 ) في أ : المقطوع . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) سقط في ب .