عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

515

اللباب في علوم الكتاب

أنّه نسبها « 1 » إلى غيرهم ولم ينسبها إليهم ، فقال « ما أَصابَكَ » ولا يقال في الطّاعة والمعصية : أصابني ، إنّما يقال : أصبتها ، ويقال في المحن : أصابني ؛ بدليل أنه لم يذكر عليه ثوابا ولا عقابا ؛ فهو كقوله - تعالى - : فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ [ الأعراف : 131 ] ولما ذكر حسنات الكسب وسيّئاته نسبها إليه ، ووعد عليها الثّواب والعقاب ؛ فقال مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [ الأنعام : 160 ] . وقيل : معنى الآية : « ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ » : من النّصر والظّفر يوم بدر ، « فَمِنَ اللَّهِ » أي : من فضل اللّه ، و « ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ » : من القتل والهزيمة يوم أحد ، « فَمِنْ نَفْسِكَ » أي يعني : فبذنوب أصحابك وهو مخالفتهم لك . فإن قيل : كيف وجه الجمع بين قوله : « قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » [ وبين قوله : « فَمِنْ نَفْسِكَ » . قيل : قوله : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ] « 2 » أي : الخصب والجدب ، والنّصر والهزيمة كلّها من عند اللّه ، وقوله « فَمِنْ نَفْسِكَ » أي : ما أصابك من سيئة فمن اللّه بذنب نفسك ؛ عقوبة لك كما قال : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [ الشورى : 30 ] ؛ يدل عليه ما روى مجاهد عن ابن عبّاس ؛ أنه « 3 » قرأ : « وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك » . ثم قال [ - تعالى - ] « 4 » : « وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا » . قوله : « رسولا » فيه وجهان : أحدهما : أنه حال مؤكدة . والثاني : أنه مصدر مؤكّد بمعنى إرسال ، ومن مجيء « رسول » مصدرا قوله : [ الطويل ] 1842 أ - لقد كذب الواشون ما بحت عندهم * بسرّ ولا أرسلتهم برسول « 5 » أي بإرسال ، بمعنى رسالة . و « للناس » يتعلق ب « أرسلناك » ، واللام للعلة . وأجاز أبو البقاء أن يكون حالا من « رسولا » كأنه جعله في الأصل صفة للنكرة فقدّم عليها ، وفيه نظر . فصل [ في أن المراد بهذه الآية إسناد جميع الأمور إلى اللّه تعالى ] فصل وهذا يدلّ على أن المراد من هذه الآيات إسناد « 6 » جميع الأمور إلى اللّه - تعالى - ؛

--> ( 1 ) في ب : أنه من نسبها . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) وحكاها أبو عمرو عن مصحف ابن مسعود ، وأما قراءة ابن عباس ، فقد ذكرها ابن عطية في محرره ( 2 / 82 ) هكذا : « وأنا قضيتها عليك » . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) في ب : إسناد .