عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

506

اللباب في علوم الكتاب

فإن قيل : فكذلك يقدّر الزّمخشريّ عاملا يدلّ عليه وَلا تُظْلَمُونَ تقديره : « أينما تكونوا فلا تظلمون » فحذف « فلا تظلمون » ، لدلالة ما قبله عليه ، فيخلص من الإشكال المذكور . قيل : لا يمكن ذلك ؛ لأنه حينئذ يحذف جواب الشّرط وفعل الشرط مضارع ، وقد تقدم أنّه لا يكون إلا ماضيا » . وفي هذا الردّ نظر ؛ لأنه أراد تفسير المعنى . قوله : ولا يناسب أن يكون متّصلا بقوله : وَلا تُظْلَمُونَ ممنوع ، بل هو مناسب ، وقد أوضحه الزّمخشري بما تقدّم أحسن إيضاح . والجملة الامتناعيّة في محلّ نصب على الحال ، أي : أينما تكونوا من الأمكنة ، يدرككم الموت ، ولو كانت حالكم أنّكم في هذه البروج ، فيفهم أن إدراكه لهم في غيرها بطريق الأولى والأحرى ، وقريب منه : « أعطوا السّائل ولو على فرس » . والجملة الشّرطيّة تحتمل وجهين : أحدهما : أنها لا محلّ لها من الإعراب ؛ لأنها استئناف إخبار ؛ اخبر - تعالى - أنّه لا يفوت الموت أحد ، ومنه قول زهير : [ الطويل ] 1834 - ومن هاب أسباب المنايا ينلنه * ولو رام أسباب السّماء بسلّم « 1 » والثّاني : أنها في محلّ نصب بالقول قبلها أي : قل متاع الدّنيا قليل ، وقل أيضا : أينما تكونوا . والجمهور على « مشيدة » بفتح الياء اسم مفعول . ونعيم « 2 » بن ميسرة بكسرها ، نسب الفعل إليها مجازا ؛ كقولهم : « قصيدة شاعرة » ، والموصوف بذلك أهلها ، وإنما عدل إلى ذلك مبالغة في الوصف . والبروج : الحصون مأخوذة من « التّبرّج » وهو الإظهار ، ومنه : « غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ » ، والبرج في العين : سعتها ، ومنه قول ذي الرّمّة : [ البسيط ] 1835 - بيضاء في برج صفراء في غنج * كأنّها فضّة قد مسّها ذهب « 3 » وقولهم : « ثوب مبرّج » أي : عليه صور البروج ؛ كقولهم : « مرط مرجّل » أي : عليه صور الرّجال ، يروى بالجيم والحاء ، والمشيّدة : المصنوعة بالشّيد ؛ وهو الجصّ ، ويقال : « شاد البناء وشيّده » كرّر العين للتّكثير ؛ ومن مجيء « شاد » قول الأسود : [ الخفيف ]

--> ( 1 ) ينظر البيت في ديوانه ( 111 ) وشرح المعلقات العشر ( 86 ) والدر المصون 2 / 399 والبحر المحيط 3 / 311 . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 2 / 399 . ( 3 ) ينظر البيت في ديوانه ( 33 ) والخصائص 1 / 325 والدر المصون 2 / 399 .