عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
502
اللباب في علوم الكتاب
وأنّ ما بعدها لا يعمل فيما قبلها ، فأغنى عن إعادته ، ولا يجوز أن يعمل ما يليها فيها ؛ لأنه في محلّ خفض بالإضافة على زعمه ، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف . وقد أجاب بعضهم ، بأنّ العامل فيها هنا معنى « يخشون » ؛ كأنه قيل : جزعوا ، قال : « وجزعوا هو العامل في « إذا » ، وهذا الآية مشكلة ؛ لأنّ فيها ظرفين : أحدهما لما مضى ، والآخر لما يستقبل » . قوله : « كَخَشْيَةِ اللَّهِ » فيه ثلاثة أوجه : أحدها - وهو المشهور عند المعربين : أنها نعت مصدر محذوف ، أي : خشية كخشية اللّه . والثاني : - وهو المقرّر من مذهب سيبويه « 1 » غير مرة - : أنّها في محلّ نصب على الحال من ضمير الخشية المحذوف ، أي : يخشونها النّاس ، أي : يخشون الخشية الناس مشبهة خشية اللّه . والثالث : أنّها في محل نصب على الحال من الضمير في « يخشون » أي : يخشون النّاس مثل أهل خشية اللّه ، أي : مشبهين لأهل خشية اللّه أو أشدّ خشية ، أي : أشدّ خشية من أهل خشية اللّه . و « أشدّ » معطوف على الحال ؛ قاله الزمخشري « 2 » ، ثم قال : « فإن قلت : لم عدلت عن الظّاهر ، وهو كونه صفة للمصدر ولم تقدّره : يخشون خشية مثل خشية اللّه ، بمعنى : مثل ما يخشى اللّه . قلت : أبى ذلك قوله : « أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً » ؛ لأنه وما عطف عليه في حكم واحد ، ولو قلت : « يخشون الناس أشد خشية » لم يكن إلا حالا من ضمير الفريق ، ولم ينتصب انتصاب المصدر ؛ لأنك لا تقول : « خشي فلان أشدّ خشية » فتنصب « خشية » وأنت تريد المصدر ، إنّما تقول : « أَشَدَّ خَشْيَةً » فتجرّها ، وإذا نصبتها لم يكن « أَشَدَّ خَشْيَةً » إلا عبارة عن الفاعل حالا منه ، اللّهم إلا أن تجعل الخشية خاشية على حدّ قولهم : « جدّ جدّه » فتزعم أنّ معناه : يخشون الناس خشية مثل خشية أشدّ خشية من خشية اللّه ، ويجوز على هذا أن يكون محلّ « أشدّ » مجرورا ، عطفا على « خشية اللّه » تريد : كخشية اللّه ، أو كخشية أشدّ منها » . انتهى . ويجوز نصب « خشية » « 3 » على وجه آخر ؛ وهو العطف على محلّ الكاف ، وينتصب « أشدّ » حينئذ على الحال من « خشية » ؛ لأنه في الأصل نعت نكرة قدّم عليها ، والأصل : يخشون النّاس مثل خشية اللّه أو خشية أشدّ منها ، فلا ينتصب « خشية » تمييزا ، حتى يلزم منه ما ذكره الزّمخشري ويعتذر عنه ، وقد تقدّم نحو من هذا عند قوله : أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً [ البقرة : 200 ] . والمصدر مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف ، أي : كخشيتهم اللّه .
--> ( 1 ) ينظر : الكتاب 2 / 116 . ( 2 ) ينظر : الكشاف 1 / 536 . ( 3 ) وقرأ بها ابن عامر كما في الحجة 3 / 172 ، وباقي المصادر على أنه قرأ بالتاء وينظر : السبعة 235 ، -