عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
491
اللباب في علوم الكتاب
قال شهاب الدين : وهذا من الزّجّاج كأنه تفسير معنى لا إعراب ، على ما يأتي ذكره عنه في تفسير الإعراب . الوجه الثاني : أنها معترضة بين القول ومفعوله ، والأصل : ليقولنّ يا ليتني كنت معهم كأن لم يكن ، وعلى هذا أكثر النّاس ، وقد اختلفت عباراتهم في ذلك ، ولا يظهر « 1 » المعنى إلا بنقل نصوصهم فلننقلها . فقال الزّمخشري : اعتراض بين الفعل الّذي هو « ليقولن » وبين مفعوله وهو « يا لَيْتَنِي » والمعنى : كأنّه لم يتقدم له معكم مودّة ؛ لأن المنافقين كانوا يوادّون المؤمنين في الظّاهر ، وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن ، والظّاهر أنّه تهكّم ؛ لأنهم كانوا أعدى عدوّ للمؤمنين ، وأشدّهم حسدا لهم ، فكيف يوصفون بالمودّة إلا على وجه العكس والتّهكّم . وقال الزّجّاج : هذه الجملة اعتراض ، أخبر - تعالى - بذلك ؛ لأنّهم كانوا يوادّون المؤمنين . وقال ابن عطيّة « 2 » : المنافق يعاطي المؤمنين « 3 » المودّة ، ويعاهد على التزام حلف الإسلام ، ثم يتحلّف نفاقا وشكّا وكفرا باللّه ورسوله ، ثم يتمنّى عندما ينكشف الغيب الظّفر للمؤمنين ، فعلى هذا يجيء قوله : « كأن لم يكن » التفاتة بليغة ، واعتراضا بين القول والمقول بلفظ يظهر زيادة في قبح فعلهم . وقال الرازي : هو اعتراض في غاية الحسن ؛ لأن من أحبّ إنسانا فرح لفرحه ، وحزن لحزنه ، فإذا قلب « 4 » القضيّة فذلك إظهار للعداوة ، فحكى - تعالى - سرور المنافق « 5 » عند نكبة المسلمين ، ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولة المسلمين بسبب فواته الغنيمة ، فقبل أن يذكر الكلام بتمامه ، ألقى قوله : كَأَنْ « 6 » لَمْ تَكُنْ والمراد التّعجّب ؛ كأنه يقول : انظروا إلى ما يقوله هذا المنافق كأن لم تكن بينكم وبينه مودّة ولا مخالطة أصلا ، والذي حسّن الاعتراض بهذه الجملة وإن كان محلها التّأخير ، كون ما بعدها فاصلة وهي ليست بفاصلة . وقال الفارسي : وهذه الجملة من قول المنافقين للّذين أقعدوهم عن الجهاد ، وخرجوا هم كأن لم تكن بينكم وبينه أي : وبين الرّسول - عليه الصلاة والسلام - مودّة ، فيخرجكم معه لتأخذوا من الغنيمة ليبغّضوا بذلك الرّسول إليهم ، فأعاد الضّمير في « بينه » على النّبي - عليه الصلاة والسلام - .
--> ( 1 ) في ب : تظهر . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 77 . ( 3 ) في أ : المؤمن . ( 4 ) في أ : قلت . ( 5 ) في ب : المنافقين . ( 6 ) في أ : فإن .