عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

471

اللباب في علوم الكتاب

بدّ من حصول الانقياد في الظّاهر والقلب ، وذلك ينفي صدور الخطأ عنهم ، فدلّ ذلك على أنّ قوله : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [ التوبة : 43 ] ، وفتواه في أسرى « 1 » بدر ، وقوله : لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [ التحريم : 1 ] ، وقوله : عَبَسَ وَتَوَلَّى [ عبس : 1 ] كل ذلك محمول على التّأويل . فصل [ في قولهم : لو كانت الطاعات والمعاصي بقضاء اللّه ، للزم التناقض ] فصل قالت المعتزلة « 2 » : لو كانت الطّاعات والمعاصي بقضاء اللّه - تعالى - لزم التّناقض ؛ لأن الرّسول إذا حكم على إنسان بأنه لا يفعل كذا ، وجب على جميع المكلّفين الرّضا بذلك ؛ لأنه قضاء الرّسول ، والرّضى بقضاء الرّسول واجب [ لهذه الآية ، ثم إن ذلك المكلّف فعل ذلك بقضاء اللّه ، والرّضا بقضاء اللّه واجب ] « 3 » فيلزم أن يجب على جميع المكلّفين الرّضا بذلك الفعل ، لأنه قضاء اللّه ، فوجب أن يلزمهم الرّضا بالفعل والتّرك معا ، وذلك محال . والجواب : أن المراد من قضاء الرّسول : الفتوى بالإيجاب والمراد من قضاء اللّه : التكوين والإيجاد ، وهما مفهومان متغايران ، فالجمع بينهما لا يفضي إلى التّناقض . قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 66 إلى 68 ] وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ( 66 ) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ( 67 ) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 68 ) هذه الآية متّصلة بما تقدّم من المنافقين ، وترغيب لهم في ترك النّفاق ، والمعنى : أنّا لو شدّدنا التكليف على النّاس ؛ نحو أن نأمرهم بالقتل ، والخروج عن الأوطان ، لصعب ذلك عليهم ولما فعله إلا قليل ، وحينئذ يظهر كفرهم ، فلم نفعل ذلك رحمة منّا على عبادنا ، بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السّهلة ، فليقبلوها وليتركوا التّمرّد . نزلت في ثابت بن قيس بن شماس ، ناظر يهوديّا « 4 » . فقال اليهوديّ : إن موسى أمرنا بقتل أنفسنا ففعلنا ذلك ، ومحمد يأمركم بالقتال فتكرهونه . فقال ثابت بن قيس : لو أنّ محمّدا أمرني بقتل نفسي ، لفعلت ذلك فنزلت الآية ، وهو من القليل الّذي استثنى اللّه . وقال الحسن ومقاتل : لمّا نزلت هذه الآية ، قال عمر ، وعمّار بن ياسر ، وعبد اللّه بن مسعود ، وناس من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهم القليل : واللّه لو أمرنا لفعلنا ، فالحمد للّه

--> ( 1 ) في ب : أسارى . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 10 / 133 . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) تقدم .