عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
464
اللباب في علوم الكتاب
والجواب من وجوه : الأول : أن قوله : « إِلَّا لِيُطاعَ » يكفي في تحقيق مفهومه أن يطيعه مطيع واحد ، لا أن يطيعه « 1 » جميع النّاس في جميع الأوقات ، وعلى هذا فنحن نقول بموجبه ؛ وهو [ أن ] « 2 » كلّ ما أرسله اللّه - تعالى - ، فقد أطاعه بعض النّاس في بعض الأوقات ، اللّهم إلا أن يقال : تخصيص الشّيء بالذّكر يدلّ على نفي الحكم عمّا عداه ، والجبّائيّ لا يقول بذلك ، فسقط هذا الإشكال . الثاني : يجوز أن يكون المراد به : أن كلّ كافر لا بدّ وأن يقرّ [ به ] « 3 » عند موته ؛ لقوله - تعالى - : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [ النساء : 159 ] أو يحمل ذلك على إيمان الكلّ بهم يوم القيامة ، ومن المعلوم أن الوصف في جانب الثّبوت ، يكفي في حصول مسمّاه في بعض الصّور وفي بعض الأحوال . الثالث : أن العلم بعدم الطّاعة مع وجود الطّاعة متضادّان ، [ والضّدّان ] « 4 » لا يجتمعان ، وذلك العلم ممتنع العدم ، فكانت الطّاعة ممتنعة الوجود ، واللّه عالم بجميع المعلومات ، فكان عالما بكون الطّاعة ممتنعة الوجود ، والعالم بكون الشّيء ممتنع الوجود لا يكون مريدا له ؛ فثبت بهذا البرهان القاطع أن يستحيل أن يريد اللّه من الكافر كونه مطيعا ، فوجب تأويل هذه اللّفظة ؛ بأن يكون المراد من الكلام ليس الإرادة بل الأمر ، والتّقدير : وما أرسلنا من رسول إلا ليؤمر النّاس بطاعته . فصل [ في دلالة الآية على أنه لا يوجد شيء من الخير والشر إلا بإرادة اللّه ] فصل استدلّوا بهذه الآية على أنّه لا يوجد شيء من الخير والشّرّ ؛ والكفر والإيمان ، والطّاعة والعصيان ، إلا بإرادة اللّه ؛ لقوله : « إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ » ولا « 5 » يمكن أن يكون المراد من هذا الإذن : الأمر والتّكليف ؛ لأنّه لا معنى لكونه رسولا إلا أنّ اللّه - تعالى - أمر بطاعته ، فلو كان [ المراد ] « 6 » من الإذن هذا لصار التّقدير : وما أذنّا في طاعة من أرسلناه إلا بإذننا ، وهو تكرار قبيح ؛ فوجب حمل الإذن على التّوفيق والإعانة ، فيصير التّقدير : وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بتوفيقنا وإعانتنا « 7 » ، وهذا تصريح بأنه - تعالى - ما أراد من الكلّ طاعة الرّسول ، بل لا يريد ذلك [ إلا من الّذي وفّقه اللّه لذلك وهم المؤمنون ، فأما من لم يوفّقه ، فللّه - تعالى - ما أراد ذلك منهم ] « 8 » .
--> ( 1 ) في ب : يطيعوه . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : فلا . ( 6 ) سقط في أ . ( 7 ) في ب : وإرادتنا وإعانتنا . ( 8 ) سقط في أ .