عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

461

اللباب في علوم الكتاب

الثالث من الأوجه : أن يتعلق ب « بليغا » ، أي قولا مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما ، ويستشعرون به استشعارا . قال معناه الزمخشري ، ورد عليه أبو حيان بأن هذا مذهب الكوفيين ؛ إذ فيه تقديم معمول الصّفة على الموصوف ، لو قلت : « جاء زيدا رجل يضرب » ، لم يجز عند البصريين لأنه لا يتقدم المعمول إلا حيث يجوز تقديم العامل ، والعامل هنا لا يجوز تقديمه ؛ لأن الصّفة لا تتقدّم على الموصوف ، والكوفيّون يجيزون تقديم معمول الصّفة على الموصوف ، وأمّا قول البصريّين : إنه لا يتقدّم المعمول إلا حيث يتقدّم العامل فيه بحث ؛ وذلك أنّا وجدنا هذه القاعدة منخرمة في نحو قوله : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [ الضحى : 9 ، 10 ] ف « اليتيم » معمول ل « تقهر » و « السائل » معمول ل « تنهر » وقد تقدّما على « لا » النّاهية ، والعامل فيهما لا يجوز تقديمه عليهما ؛ إذا المجزوم لا يتقدّم على جازمه ، فقد تقدّم المعمول حيث لا يتقدّم العامل . وكذلك قالوا في قوله : [ الطويل ] 1819 - قنافذ هدّاجون حول بيوتهم * بما كان إيّاهم عطيّة عوّدا « 1 » خرّجوا هذا البيت على أنّ في « كان » ضمير الشّأن ، و « عطيّة » مبتدأ و « عوّد » خبره حتى لا يلي « كان » معمول خبرها ، وهو غير ظرف ولا شبهه « 2 » ، فلزمهم من ذلك تقديم

--> ( 1 ) البيت للفرزدق ينظر ديوانه ( 162 ) والدرر 1 / 87 والهمع 1 / 118 والأشموني 1 / 237 والخزانة 4 / 75 والدر المصون 2 / 383 . ( 2 ) معمول خبر هذه الأفعال لا يخلو : إما أن يكون ظرفا ، أو جارا ومجرورا ، أو لا . فإن كان ظرفا أو جارا ومجرورا ، جاز باتفاق إيلاؤه الفعل ، وتقدمه على الاسم نحو : « كان عندك أو في المسجد عليّ معتكفا » والأصل : كان عليّ معتكفا عندك أو في المسجد ، فقدّم الظرف والجار والمجرور اللذان هما معمولا الخبر ، وهو « معتكفا » على الاسم الذي هو « عليّ » فوليا الفعل وهو « كان » ، وإنما جاز ذلك مع أن فيه الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي ؛ لأنهم يتسعون في الظروف والجار والمجرور ما لا يتوسعون في غيرها . وإلى هذا أشار ابن مالك ؛ حيث قال : ولا يلي العامل معمول الخبر * إلا إذا ظرفا أتى أو حرف جر وأما إن كان معمول الخبر غير واحد منهما ، ففيه ثلاثة مذاهب : الأول : مذهب جمهور البصريين : وهو منع إيلائه الفعل ، وتقديمه على الاسم مطلقا ، سواء تقدّم المعمول وحده ، نحو : « كان طعامك زيد آكلا » أو تقدم معه الخبر ، نحو : « كان طعامك آكلا زيد » ، لما في ذلك من الفصل بين الفعل ومرفوعه الذي هو الاسم بأجنبي منه . والثاني : مذهب الفارسي ، وابن السراج من البصريين ، وابن عصفور من المتأخرين : وهو إجازة تقدمه على الاسم إن تقدم معه الخبر ، نحو ( كان طعامك آكلا زيد ) ؛ بحجة أن المعمول من كمال العامل الذي هو الخبر ، فلم يكن ثم فاصل بين العامل ومرفوعه بأجنبي ، ومنعه إن تقدم وحده ، نحو : ( كان طعامك زيد آكلا ) لما سبق عن البصريين ، ويفهم من هذا ، أنه لو تقدم معه الخبر وتقدم الخبر عليه ، نحو : ( كان آكلا طعامك زيد ) جاز ، وهو كذلك إجماعا . -