عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

458

اللباب في علوم الكتاب

يحلفون باللّه إن أردنا إلّا إحسانا وتوفيقا ، يعني : أنّهم في أوّل الأمر يصدّون عنك ، ثم بعد ذلك يجيئونك ، ويحلفون باللّه كذبا أنّهم ما أرادوا بذلك إلا الإحسان والتّوفيق ، وشرط الاعتراض أن يكون له تعلّق بذلك الكلام من بعض الوجوه ؛ كقوله : [ السريع ] 1818 - إنّ الثّمانين وبلّغتها * قد أخوجت سمعي إلى ترجمان « 1 » فقوله : « وبلّغتها » [ كلام ] « 2 » أجنبيّ اعترض به ، لكنه دعاء للمخاطب « 3 » ، وتلطّف في القول معه ، وكذلك الآية ؛ لأن أوّل الآية وآخرها في شرح قبائح المنافقين وكيدهم ومكرهم ، فإنه - تعالى - حكى عنهم أنّهم يتحاكمون إلى الطّاغوت ، مع أنّهم أمروا بالكفر به ، ويصدّون عن الرّسول ، مع أنّهم أمروا بطاعته ، فذكر هنا ما يدلّ على شدّة الأهوال عليهم ؛ بسبب هذه الأعمال القبيحة في الدّنيا والآخرة ، فقال : فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي : فكيف حال تلك الشّدّة وحال تلك المصيبة ، قاله الحسن البصريّ ، وهو اختيار الواحديّ « 4 » . الثاني : أنه - تعالى - لما حكى عنهم تحاكمهم إلى الطّاغوت ، وفرارهم من الرّسول - عليه الصلاة والسلام - دلّ ذلك على شدّة نفرتهم من الحضور عند رسول اللّه والقرب منه ، فلمّا ذكر ذلك ، قال : فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يعني : إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات السّلامة هكذا ، فكيف يكون حالهم في النّفرة في شدّة الغمّ والحزن ، إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك ، ثم جاءوك شاءوا أم « 5 » أبوا ، ويحلفون باللّه كذبا ما أردنا بتلك الجناية إلّا الخير والمصلحة ، والغرض من هذا الكلام : بيان أنّ نفرتهم عن الرّسول لا غاية لها سواء غابوا أم حضروا ، ثم إنه - تعالى - أكّد هذا المعنى بقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ ومعناه : أنّ من أراد المبالغة في شيء ، قال : هذا شيء لا يعلمه إلا اللّه يعني : لكثرته وقوّته لا يقدر أحد على معرفته إلا اللّه - [ تعالى ] « 6 » - . قوله : فَكَيْفَ يجوز فيها وجهان : أحدهما : أنّها في محلّ نصب ، وهو قول الزّجّاج ؛ قال : تقديره : فكيف تراهم ؟ والثاني : أنها في محلّ رفع خبر لمبتدأ محذوف ، أي : فكيف صنيعهم « 7 » في وقت إصابة المصيبة إيّاهم ؛ وإذا معمولة لذلك المقدّر بعد كيف ، والباء في « بها » للسّببيّة ،

--> ( 1 ) البيت لعوف بن محلم في الدرر 4 / 31 ، وشرح شواهد المغني 2 / 821 ، وطبقات الشعراء ص 187 ، ومعاهد التنصيص 1 / 369 ، وشرح شذور الذهب ص 59 ، ومغني اللبيب 2 / 388 ، 396 ، وهمع الهوامع 1 / 248 . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في ب : دعاء للمخاطبين . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي 10 / 126 . ( 5 ) في ب : أو . ( 6 ) سقط في أ . ( 7 ) في ب : حالهم .