عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
456
اللباب في علوم الكتاب
أحدها : قوله : يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ فجعل التّحاكم [ إلى الطّاغوت ] « 1 » مقابلا للكفر به ، وهذا يقتضي أن التّحاكم إلى الطّاغوت كفر باللّه ، كما أن الكفر بالطّاغوت إيمان باللّه . ثانيها : قوله - [ تعالى ] « 2 » - : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ النساء : 65 ] وهذا نصّ في تكفير من لم يرض بحكم الرّسول - عليه الصلاة والسلام - . وثالثها : قوله - تعالى - : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ النور : 63 ] وهذه الآيات تدلّ على أنّ من ردّ شيئا من أوامر اللّه والرّسول فهو خارج عن الإسلام ، سواء ردّه من جهة الشّرك أو من جهة التّمرّد ، وذلك يوجب صحّة ما ذهبت إليه الصّحابة - رضي اللّه عنهم - من الحكم بارتداد مانعي الزّكاة ، وقتلهم ، وسبي ذراريهم . قوله : أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً في ضَلالًا ثلاثة أقوال : أحدها : أنه مصدر على غير المصدر « 3 » ، نحو : أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [ نوح : 17 ] ، والأصل « إضلالا » و « إنباتا » فهو [ اسم ] « 4 » مصدر لا مصدر . والثاني : أنه مصدر لمطاوع « 5 » ( أضل ) أي : أضلّهم فضلّوا ضلالا . والثالث : أن يكون من وضع أحد المصدرين موضع الآخر . فصل [ في دلالة الآية على أن كفر الكافر ليس بخلق اللّه ولا بإرادته ] فصل قالت المعتزلة « 6 » : قوله - تعالى - : وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً يدلّ على أن كفر الكافر ليس بخلق [ اللّه - تعالى - ] « 7 » ولا بإرادته ؛ لأنه لو خلق الكفر في الكافر وأراده منه ، فأيّ تأثير للشّيطان فيه ، وأيضا فإنّه ذمّ للشيطان ؛ بسبب أنّه يريد هذه الضّلالة ، فلو كان - تعالى - مريدا لها ، لكان هو بالذّمّ أولى ، لأن [ كلّ ] « 8 » من عاب شيئا ثم فعله ، كان بالذّمّ أولى به ؛ قال - تعالى - : كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ [ الصف : 3 ] وأيضا فإنّه تعجّب من تحاكمهم إلى الطّاغوت ، مع أنّهم أمروا أن يكفروا به ، ولو كان ذلك التّحاكم بخلق اللّه ، لما بقي التّعجّب ، فإنه يقال : إنك خلقت ذلك الفعل فيهم ، وأردته منهم ، بل التّعجّب من هذا التّعجّب [ هو ] « 9 » أولى . وجوابهم المعارضة بالعلم والدّاعي .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في ب : الصدر . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) في ب : مطاوع . ( 6 ) ينظر : تفسير الرازي 10 / 124 . ( 7 ) سقط في أ . ( 8 ) سقط في أ . ( 9 ) سقط في ب .