عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

45

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 169 إلى 170 ] وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 170 ) « الذين » مفعول أول ، و « أمواتا » مفعول ثان ، والفاعل إما ضمير كل مخاطب ، أو ضمير الرسول صلى اللّه عليه وسلم كما تقدم في نظائره وقرأ حميد بن قيس وهشام - بخلاف عنه - « يحسبن » بياء الغيبة « 1 » ، وفي الفاعل وجهان : أحدهما : أنه مضمر ، إما ضمير الرسول صلى اللّه عليه وسلم أو ضمير من يصلح للحسبان - أي : حاسب . الثاني : قاله الزمخشري : وهو أن يكون « الَّذِينَ قُتِلُوا » قال : ويجوز أن يكون « الَّذِينَ قُتِلُوا » فاعلا والتقدير : ولا يحسبنهم الذين قتلوا أمواتا ، أي : ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتا . فإن قلت : كيف جاز حذف المفعول الأول ؟ قلت : هو - في الأصل - مبتدأ ، فحذف كما حذف المبتدأ في قوله : « بَلْ أَحْياءٌ » أي : هم أحياء ؛ لدلالة الكلام عليهما . وردّ عليه أبو حيان بأن هذا التقدير يؤدي إلى تقديم الضمير على مفسره ، وذلك لا يجوز إلا في أبواب محصورة ، وعدّ منه باب ربّه رجلا ، نعم رجلا زيد ، والتنازع عند إعمال الثاني في رأي سيبويه ، والبدل على خلاف فيه ، وضمير الأمر ، قال : « وزاد بعض أصحابنا أن يكون المفسّر خبرا للضمير » وبأن حذف أحد مفعولي « ظن » اختصارا إنما يتمشى له عند الجمهور مع أنه قليل جدا ، نص عليه الفارسيّ ، ومنعه ابن ملكون البتة . قال شهاب الدين : « وهذا من تحملاته عليه ، أما قوله : يؤدي إلى تقديم المضمر . . . إلى آخره ، فالزمخشريّ لم يقدره صناعة ، بل إيرادا للمعنى المقصود ، ولذلك لمّا أراد أن يقدر الصناعة النحوية قدّره بلفظ « أنفسهم » المنصوبة وهي المفعول الأول ، وأظن الشيخ يتوهم أنها مرفوعة ، تأكيدا للضمير في « قتلوا » ولم يتنبه أنه إنما قدرها مفعولا أول منصوبة ، وأما تمشية قوله على مذهب الجمهور فيكفيه ذلك وما عليه من ابن ملكون ، وستأتي مواضع يضطر هو وغيره إلى حذف أحد المفعولين ، كما ستقف عليه قريبا . وتقدم الكلام على مادة « حسب » ولغاتها ، وقراءاتها ، وقرىء « تحسبن » - بفتح السين « 2 » - قاله الزمخشريّ وقرأ ابن عامر « قتّلوا » - بالتشديد « 3 » - وهشام وحده في « ما

--> ( 1 ) انظر المحرر الوجيز 1 / 540 ، والبحر المحيط 3 / 117 ، والدر المصون 2 / 255 ، وإتحاف 1 / 494 . ( 2 ) وهي قراءة ابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، وأبي جعفر . انظر : العنوان 81 ، وإتحاف 1 / 494 . ( 3 ) انظر : السبعة 219 ، والحجة 3 / 98 ، والعنوان 81 ، وشرح شعلة 325 ، وشرح الطيبة 4 / 174 ، وإتحاف 1 / 494 .