عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
448
اللباب في علوم الكتاب
فصل : لا عبرة في الإجماع بالفرق الضالة دلّت الآية على أنّ العبرة بإجماع المؤمنين ، فأمّا من يشكّ في إيمانه من سائر الفرق فلا عبرة بهم . فصل : حصر الأدلة في أربعة دلّت [ هذه ] « 1 » الآية على أنّ ما سوى هذه الأصول الأربعة ، أعني : الكتاب والسّنّة والإجماع والقياس باطل ؛ لأنه - تعالى - جعل الوقائع قسمين : أحدهما : منصوص عليه فأمر فيه بالطّاعة ، بقوله [ - تعالى - ] « 2 » : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ . والثاني : غير منصوص عليه [ وأمر فيه بالاجتهاد بقوله - تعالى - : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ] « 3 » ، ولم يزد على ذلك ؛ فدلّ على أنه ليس للمكلّف أن يتمسّك بشيء سوى هذه الأربعة ، فالقول بالاستحسان « 4 » الذي تقول به الحنفيّة ،
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) جرى لفظ الاستحسان في عبارات بعض الأئمة على وجه يتوهم منه أن الاستحسان أصل من الأصول التي يرجع إليها في استنباط الأحكام ، وتعرض له علماء الأصول عند بحث الأدلة ، ونسبوا الأخذ به إلى بعض الأئمة ، ونقلوا إنكاره عن آخرين . واستند الحنفية إلى الاستحسان في تقرير كثير من الأحكام ، ويعارضون به القياس ، فيقولون في بعض الأحكام : هذا ما يقتضيه الاستحسان وذاك ما يقتضيه القياس . وعبر الإمام الشافعي بالاستحسان في أحكام بعض الحوادث ؛ فقال : أستحسن أن تكون المتعة ثلاثين ، وقال : أستحسن أن يؤجل الشفيع ثلاثا . وأنكر قوم أن يكون الاستحسان دليلا شرعيا ، وشنّعوا على القائلين به ؛ ظنا منهم أن استحسان هؤلاء الأئمة من قبيل الرجوع إلى الرأي ، دون رعاية دليل شرعي ثابت ، والرجوع إلى الرأي المحض في تقرير الأحكام الشرعية لا يقول به عامي مسلم ، فضلا عن إمام بلغ رتبة الاجتهاد أو الترجيح ، ومن هنا تصدّى علماء الأصول من المالكية والحنفية لتفسير الاستحسان الوارد في عبارات أئمتهم . وبينوا أنه عائد إلى أدلة متفق عليها ، أو أدلة معروفة في مذهب المعبر به ، وحملوا قول الإمام الشافعي : « من استحسن فقد شرع » على معنى الاستحسان الذي لا يقوم على رعاية دليل شرعي ، وكذلك الأثر الذي يسوقه بعض المحتجين لصحة القول بالاستحسان وهو : « وما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن » إنما يحمل على أن المراد بالمسلمين ذوو الكفاية لاستنباط الأحكام ، فيكون دليل الاحتجاج بالإجماع . أما المالكية فيقول محققوهم ؛ كأبي الوليد الباجي : الاستحسان هو الأخذ بأقوى الدليلين ؛ وكذلك قال ابن خويزمنداد : معنى الاستحسان عندنا القول بأقوى الدليلين ، ويضاهي هذا قول الحفيد ابن رشد : الاستحسان عند مالك هو الجمع بين الأدلة المتعارضة ، ومعنى هذا : أن الاستحسان في مذهب مالك ليس بدليل مستقل ، وإنما هو ترجيح أحد الدليلين على الآخر ؛ كأن يتعارض في حادثة جزئية قياسان أو يعارض أصلا من الأصول عرف ، أو مصلحة مرسلة ، أو سد ذريعة ، فينظر المجتهد ويرجح أحد القياسين -