عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
439
اللباب في علوم الكتاب
فكيف بالظرف وشبهه . والثاني ممتنع أيضا ؛ لأنّ الأمر ليس واقعا وقت الحكم ، كذا قاله أبو حيّان « 1 » وفيه نظر وإذا بطل هذا ، فالعامل فيه مقدّر يفسّره ما بعده تقديره : « وأن تحكموا إذا حكمتم » ، و « أن تحكموا » الأخيرة دالة على الأولى . قوله « بالعدل » يجوز فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلّق ب « تحكموا » ، فتكون الباء للتّعدية ، والثانية : أن يتعلّق بمحذوف على أنّه حال من فاعل تحكموا ، فتكون الباء للمصاحبة ، أي : ملتبسين بالعدل مصاحبين له . والمعنيان متقاربان . فصل [ في معنى الأمانة ] فصل اعلم أن الأمانة عبارة عن أداء ما وجب عليك لغيرك ، والحكم بالحق عما إذا وجب لإنسان على غيره حق ، فأمر من وجب عليه ذلك الحقّ بأن يدفعه إلى من له ذلك الحق . ولما كان التّرتيب الصّحيح أن يبدأ الإنسان بنفسه في جلب المنافع ، ودفع المضار ، ثم يشتغل بغيره ، لا جرم أمر تعالى بأداء الأمانة أوّلا ، ثم ذكر بعد الأمر الحكم بالحقّ ، وهذا من اللّطائف المودعة في ترتيب القرآن . فصل في وجوب حكم الإمام بالعدل أجمعوا على أنّه يجب على الحاكم أن يحكم بالعدل ، لهذه الآية ، ولقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [ النحل : 90 ] وقوله وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا [ الأنعام : 152 ] وقوله يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ ص : 26 ] ، وقال - عليه الصلاة والسلام : « لا تزال هذه الأمّة بخير ما إذا قالت صدقت ، وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت » وقال عليه الصّلاة والسلام « المقسطون عند اللّه على منابر من نور عن يمين الرّحمن ، وكلتا يديه يمين ؛ هم الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم ما ولّوا » . وقال عليه الصّلاة والسلام « إنّ أحبّ النّاس إلى اللّه يوم القيامة ، وأقربهم منه مجلسا إمام عادل وإنّ أبغض النّاس إلى اللّه يوم القيامة وأشدّهم عذابا إمام جائر » . وقال عليه الصّلاة والسلام « ينادي مناد يوم القيامة أين الظّلمة ، فيجمعون عليه فيلقون في النّار » . يحقق ذلك قوله تعالى احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [ الصافات : 22 ] وقوله وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [ إبراهيم : 42 ] .
--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 289 .