عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
423
اللباب في علوم الكتاب
ثُقِفُوا [ الأحزاب : 61 ] وإنّما استحقّوا هذا اللّعن ، لتفضيلهم عبدة الأوثان على المؤمنين بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم . قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 53 إلى 55 ] أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً ( 53 ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ( 54 ) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ( 55 ) لمّا وصف [ تعالى ] « 1 » اليهود بالجهل في الآية المتقدمة ؛ لتفضيلهم عبادة الأوثان على عبادة اللّه تعالى ، وصفهم في هذه الآية بالبخل والحسد ، وهذا على سبيل الإنكار . والبخل : ألّا يدفع إلى أحد شيئا مما أوتي من النعمة ، [ والحسد : أن يتمنّى ألّا يعطي اللّه غيره شيئا من النّعم ] « 2 » فها يشتركان في إرادة منع النعمة من الغير ، وإنما قدّم وصف الجهل على وصف البخل ، والحسد ؛ لأن الجهل سببها ؛ وذلك لأنّ البخيل ، والحاسد يجهلان أنّ اللّه تعالى هو الذي أعطى هذا ، ومنع هذا . واعلم أنّه تعالى جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم ، وهذا يدلّ على أنّ الملك والبخل لا يجتمعان ؛ وذلك لأنّ الانقياد « 3 » [ للغير مكروه لذاته ، وإنما يحمل الإنسان على الانقياد للغير ] « 4 » بالإحسان الحسن « 5 » ؛ كما قيل : « بالبر يستعبد الحر » ، فمتى لم يوجد الإحسان ، لم يوجد الانقياد « 6 » ، ثمّ قد يكون الملك على الظّاهر فقط ؛ وهو ملك الملوك ، وقد يكون الملك على الباطن فقط ؛ وهو ملك العلماء وقد يكون الملك عليهما ؛ وهو ملك الأنبياء ، فوجب في الأنبياء أن يكونوا في غاية « 7 » الجود ، والكرم ، والرّحمة ، والشّفقة ؛ حتّى يحصل الانقياد بالباطن والظّاهر ، وكمال هذه الصفات كان حاصلا لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم . و « أم » منقطعة ؛ لفوات شرط الاتّصال ، كما تقدم أوّل البقرة فتقدر ب « بل » ، والهمزة التي يراد بها الإنكار ، وكذلك هو في قوله : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ وقال بعضهم « 8 » : الميم صلة ، وتقديره : ألهم ؛ لأنّ حرف « أم » إذا لم يسبقه استفهام ، كانت الميم صلة فيه ، وقيل : « أم » هنا متصلة ، وقد سبقه - هاهنا - استفهام على سبيل المعنى ؛ لأنّه لمّا حكى قولهم للمشركين بأنّهم أهدى سبيلا من المؤمنين عطف عليه قوله أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ فكأنّه قال : أمن ذلك يتعجّب ؟ أم من كونهم لهم نصيب من الملك ؛ مع أنّه لو كان لهم ملك ، لبخلوا بأقلّ القليل ؟ .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : الانقياد والمعين الإحسان له . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : فإحسان المحسن . ( 6 ) في ب : فمتى لم يوجد الإحسان لم يوجد الانقياد . ( 7 ) في أ : نهاية . ( 8 ) ينظر : تفسير الرازي 10 / 105 .