عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

408

اللباب في علوم الكتاب

[ ووضعوا ] « 1 » موضعه الجلد ؛ ونظيره فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ البقرة : 79 ] . فإن قيل : كيف يمكن هذا في الكتاب الّذي بلغت آحاد حروفه ، وكلماته مبلغ التّواتر ، واشتهر في الشّرق والغرب . فالجواب : لعل القوم كانوا قليلين ، والعلماء بالكتاب كانوا في غاية من القلّة فقدروا على ذلك . وقيل : المراد بالتّحريف : إلقاء « 2 » الشّبه والتّأويلات الفاسدة لتلك النّصوص ، وأما الآية التي في المائدة : فهي دالّة على الجمع بين الأمرين ، فكانوا يذكرون التّأويلات الفاسدة ، وكانوا يحرّفون اللّفظ أيضا من الكتاب . فقوله : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ إشارة إلى التّأويل الباطل . وقوله : « مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ » إشارة إلى إخراجه عن هذا الكتاب . وقيل : المراد بالتّحريف : تغيير صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . قال ابن عبّاس « 3 » : كانت اليهود يأتون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويسألونه عن الأمر ، فيخبرهم ، فيرى أنّهم يأخذون بقوله ، فإذا انصرفوا من عنده ، حرّفوا كلامه وَيَقُولُونَ سَمِعْنا منك قولك وَعَصَيْنا أمرك ، وهو المراد بقوله : سَمِعْنا وَعَصَيْنا . قوله : وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ « 4 » ، في نصب « غير » وجهان : أحدهما : أنه حال . والثاني : أنه مفعول به ، والمعنى : اسمع غير مسمع كلاما ترضاه ، فسمعك « 5 » عنه ناب . قال الزّمخشريّ ، بعد حكايته نصبه على الحال ، وذكره « 6 » المعنى المتقدّم : ويجوز على هذا أن يكون « غَيْرَ مُسْمَعٍ » مفعول اسمع ، أي : اسمع كلاما غير مسمع إيّاك ؛ لأن أذنك لا تعيه نبوّا عنه ، وهذا الكلام ذو وجهين ، يعني أنه يحتمل المدح والذّم : فبإرادة المدح تقدر غير مسمع مكروها ، فيكون قد حذف المفعول الثّاني ؛ لأن الأوّل قام مقام الفاعل . وبإرادة الذّمّ تقدّر « غير مسمع خيرا » وحذف المفعول الثاني : أيضا [ والمعنى : كانوا يقولون للنّبي صلّى اللّه عليه وسلّم اسمع ، ويقولون في أنفسهم : لا سمعت ] « 7 » .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : بالقاء . ( 3 ) ينظر : معالم التنزيل 1 / 438 . ( 4 ) انظر : تفسير القرطبي ( 5 / 107 ) . ( 5 ) في أ : يرضاه ، فسمعك . ( 6 ) في أ : ونكر . ( 7 ) سقط في ب .