عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

4

اللباب في علوم الكتاب

يديه ، ويقول : وجهي لوجهك الفداء ، ونفسي لنفسك الفداء ، وعليك السّلام غير مودّع . قوله : إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ السين في اسْتَزَلَّهُمُ للطلب ، والظاهر أن استفعل هاهنا - بمعنى أفعل ؛ لأن القصة تدلّ عليه ، فالمعنى : حمله على الزلة ، فيكون ك « استلّ » و « أبلّ » . و « أزلّ » واستزلّ بمعنى واحد ، قال تعالى : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ [ البقرة : 36 ] . وقال ابن قتيبة : اسْتَزَلَّهُمُ طلب زلّتهم ، كما يقال : استعجلته : أي : طلبت عجلته ، واستعملته طلبت عمله . فصل [ في دلالة الآية على أن المعاصي لا تنسب إلى اللّه ] فصل قال الكعبيّ : الآية تدلّ على أن المعاصي لا تنسب إلى اللّه ؛ فإنه - تعالى - نسبها هنا إلى الشّيطان ، فهو كقوله تعالى - حكاية عن موسى - : هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [ القصص : 15 ] وكقوله - حكاية عن يوسف - : مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [ يوسف : 100 ] وقوله - حكاية عن صاحب موسى - : وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [ الكهف : 63 ] . قوله : بِبَعْضِ ما كَسَبُوا فيه وجهان : الأول : أن الباء للإلصاق ، كقولك : كتبت بالقلم ، وقطعت بالسّكّين ، والمعنى : أنه كان قد صدرت عنهم جنايات ، فبواسطتها قدر الشيطان على استزلالهم ، وعلى هذا التقدير اختلفوا : فقال الزّجّاج : إنهم لم يتولّوا عنادا ، ولا فرارا من الزّحف ، رغبة منهم في الدنيا ، وإنما ذكّرهم الشيطان ذنوبا - كانت لهم - فكرهوا البقاء إلا على حال يرضونها . وقيل : لما أذنبوا - بمفارقة المركز ، أو برغبتهم في الغنيمة ، أو بفشلهم عن الجهاد - أزلّهم الشيطان بهذه المعصية ، وأوقعهم في الهزيمة . الثاني : أن تكون الباء للتبعيض ، والمعنى : أنّ هذه الزّلّة وقعت لهم في بعض أعمالهم . قوله : وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ هذه الآية تدل على أن تلك الزّلّة ما كانت بسبب الكفر ؛ فإن العفو عن الكفر لا يجوز ؛ لقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [ النساء : 48 ] فالعفو عن الصغائر والكبائر جائز . قالت المعتزلة : ذلك الذنب إن كان من الصغائر ، جاز العفو عنه من غير توبة ، وإن كان من الكبائر لم يجز العفو عنه من غير توبة - وإن كان ذلك غير مذكور في الآية .