عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

396

اللباب في علوم الكتاب

السّكر الذي يعلم منه ما يقول ، ومعلوم أنّ اللّه - تعالى - لما حرّم الخمر بآية المائدة ، فقد رفع هذا الجواز ، فثبت أن آية المائدة ناسخة لبعض مدلولات هذه الآية . والجواب : أن هذا نهي عن قربان الصّلاة حال السّكر ، وتخصيص الشيء بالذّكر لا يدلّ على نفي الحكم عما عداه ، إلا على سبيل الظّنّ الضّعيف ، ومثل هذا لا يكون نسخا . فصل : التكليف بما لا يطاق قال بعضهم : هذه الآية تدلّ على جواز التّكليف بما لا يطاق « 1 » ؛ لأنه - تعالى - قال : « لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى » ، وهذه جملة حاليّة ، فكأنه - تعالى - قال للسّكران : لا تصلّ وأنت سكران ، وهذا خطاب للسكران « 2 » . والجواب عنه : بأن هذا ليس خطابا للسّكران ، بل هو خطاب للّذين آمنوا ؛ فكأنه قال : يأيّها الذين آمنوا لا تسكروا ، فقد نهى عن السّكر « 3 » ؛ ونظيره قوله - تعالى - : وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ آل عمران : 102 ] وهو ليس « 4 » نهيا عن الموت ، وإنما هو أمر بالمداومة على الإسلام ، حتى يأتيه الموت وهو في تلك الحال . قوله : « وَلا جُنُباً » « 5 » نصب على أنه معطوف على الحال قبله ، وهو قوله : « وَأَنْتُمْ سُكارى » عطف المفرد على الجملة لمّا كانت في تأويله ، وأعاد معها « لا » تنبيها على أنّ النّهي عن قربان الصّلاة مع كل واحد من هذين الحالين على انفرادهما ، فالنّهي عنها مع

--> ( 1 ) اختلف قول أبي الحسن الأشعري في جواز التكليف بما لا يطاق نفيا وإثباتا ، وذلك كالجمع بين الضدّين ، وقلب الأجناس ، وإيجاد القديم وإعدامه ونحوه وميله في أكثر أقواله إلى الجواز ، وهو لازم على أصله في اعتقاد وجوب مقارنة القدرة الحادثة للمقدور بها ، مع تقدّم التكليف بالفعل على الفعل ، وأن القدرة الحادثة غير مؤثرة في مقدروها ، بل مقدورها مخلوق للّه تعالى . ولا يخفى أن التكليف بفعل الغير حالة عدم القدرة عليه تكليف بما لا يطاق . وهذا هو مذهب أكثر أصحابه وبعض معتزلة بغداد ؛ حيث قالوا بجواز تكليف العبد بفعل في وقت علم اللّه تعالى أنه يكون ممنوعا عنه ، والبكرية ؛ حيث زعموا أنّ الختم والطبع على الأفئدة مانعان من الإيمان مع التكليف به ، غير أن من قال بجواز ذلك من أصحابه اختلفوا في وقوعه نفيا وإثباتا ، ووافقه على القول بالنفي بعض الأصحاب ، وهو مذهب البصريين من المعتزلة ، وأكثر البغداديين ، وأجمع الكلّ على جواز التكليف بما علم اللّه أنه لا يكون عقلا ، وعلى وقوعه شرعا ، كالتكليف بالإيمان لمن علم اللّه أنه لا يؤمن ؛ كأبي جهل خلافا لبعض الثنوية . والمختار إنما هو امتناع التكليف بالمستحيل لذاته ؛ كالجمع بين الضدّين ونحوه . وجوازه في المستحيل باعتبار غيره وإليه ميل الغزالي - رحمه اللّه - . وانظر تفصيل ذلك في الأحكام للآمدي 1 / 124 ، تفسير الطبري 1 / 363 . ( 2 ) في أ : السكران . ( 3 ) في ب : المسكر . ( 4 ) في أ : فليس . ( 5 ) سقط في ب .