عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

332

اللباب في علوم الكتاب

الآية إشكال ، وهو أنّ الحقّ إمّا أن يكون قول أهل السّنّة [ من أنّ فعل العبد ] « 1 » مخلوق للّه [ وإمّا أن الحقّ قول المعتزلة : من أنّ فعل العبد ليس مخلوق اللّه تعالى ؛ والآية مشكلة على القولين ] « 2 » أمّا على الأوّل [ فلأنّ ] « 3 » كلّ ما يريده اللّه تعالى [ فإنّه ] « 4 » يحصل ، فإذا أراد أن يتوب علينا وأحبّ أن تحصل التّوبة لكلنا ، ومعلوم أنّه ليس لذلك ، وأمّا على القول الثّاني : فهو تعالى يريد منّا أن نتوب باختيارنا ، وفعلنا وقوله وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ [ ظاهره ] « 5 » مشعر بأنّه تعالى هو الّذي يخلق التّوبة فينا . فالجواب أن قوله وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ صريح في أنّه تعالى هو الذي يقبل التّوبة فينا والعقل يؤكّده ؛ لأنّ التّوبة عبارة عن النّدم في الماضي ، والعزم على التّرك في المستقبل ، والنّدم والعزم من باب الإرادات ، والإرادة لا يمكن إرادتها وإلا لزم التّسلسل ؛ فإذن الإرادة يمتنع أن تكون فعل الإنسان فعلمنا أن هذا النّدم والعزم لا يحصلان إلا بتخليق اللّه تعالى فدلّ البرهان العقليّ على صحّة ما أشعر به القرآن ، وهو أنّه تعالى [ هو ] « 6 » الذي يتوب علينا . وإن قالوا : لو تاب علينا لحصلت هذه التّوبة [ لهم فزاد هذا الإشكال واللّه أعلم ] « 7 » . فنقول : قوله تعالى وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ خطاب مع الأمّة ، وقد تاب عليهم في نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيّات المذكورة في هذه الآيات وحصلت هذه التّوبة لهم فزال الإشكال واللّه أعلم . [ ثم قال وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي : ] « 8 » [ عليم ] « 9 » بمصالح عباده حكيم في أمر دينهم ودنياهم وحكيم فيما دبّر من أمورهم . قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 27 ] وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ( 27 ) قوله تعالى : وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ زعم بعضهم أنّ [ في ] قوله وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ تكريرا لقوله وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ المعطوف على التّبيين . قال عطيّة « 10 » : وتكرار إرادة اللّه تعالى التّوبة على عباده تقوية للإخبار الأوّل وليس القصد في الآية إلا الإخبار عن إرادة الذين يتبعون الشّهوات فقدمت إرادة اللّه توطئة مظهرة لفساد إرادة مبتغي الشّهوات ، وهذا الذي قاله إنّما يتمشّى على أنّ المجرور باللام في قوله لِيُبَيِّنَ مفعول به للإرادة لا على كونه علّة ، وقد تقدّم أنّ ذلك قول الكوفيّين ،

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) سقط في ب . ( 6 ) سقط في ب . ( 7 ) سقط في ب . ( 8 ) سقط في ب . ( 9 ) سقط في ب . ( 10 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 40 .