عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
312
اللباب في علوم الكتاب
فآتوهن أجورهن » ولم ينكر عليهما هذه القراءة فكان إجماعا ، فيقابل الإجماع الّذي كان حاضرا عند خطبة عمر . الثّاني : أنّ المذكور في الآية إنّما هو مجرّد الابتغاء بالمال ، ثمّ إنّه تعالى أمر بإيتانهنّ أجورهنّ بعد الاستمتاع بهنّ ، وذلك يدلّ على أنّ مجرّد الابتغاء بالمال يجوز الوطء ، ومجرّد الابتغاء بالمال لا يكون إلّا في نكاح المتعة ، فأمّا في النّكاح المطلق ، فالحل إنّما يحصل بالعقد والولي والشّهود ، ولا يفيد فيه مجرّد الابتغاء بالمال . الثّالث : أنّه واجب إيتاء الأجور بمجرّد الاستمتاع ، والاستمتاع عبارة عن التّلذّذ والانتفاع ، وأمّا في النّكاح المطلق فإيتاء « 1 » الأجور لا يتوقّف على الاستمتاع ألبتّة بل على العقد . ألا ترى أنّ بمجرد النّكاح يلزم نصف المهر . الرّابع : أن الأمّة مجمعة على أنّ نكاح المتعة كان جائزا في الإسلام ، وإنّما الخلاف في النّسخ ، فنقول لو كان النّاسخ موجودا ، لكان إمّا معلوما بالتّواتر أو الآحاد ، ولم يعلم بالتّواتر ؛ لأنّه كان يلزم منه كون عليّ ، وابن عباس ، وعمران بن الحصين منكرين لما عرف ثبوته بالتّواتر في دين محمّد عليه السلام ، وذلك يوجب تكفيرهم ، ويكون باطلا قطعا ، وإن كان ثابتا بالآحاد لزم نسخ الثابت المتواتر المقطوع به بخبر الواحد المظنون ، وهذا أيضا باطل ، ومما يدلّ على بطلان هذا النّسخ أيضا أنّ أكثر الرّوايات أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم نهى عن المتعة يوم خيبر ، وأكثر الرّوايات أنّه عليه السلام أباح المتعة في حجّة الوداع وفي يوم الفتح ، وهذان اليومان متأخران عن يوم خيبر ، وذلك يدلّ على فساد ما روي أنّه عليه السلام نسخ المتعة يوم خيبر ، لأنّ النّاسخ يمتنع تقدّمه على المنسوخ ، [ وقول ] « 2 » من قال إنّه حصل التحليل مرارا [ والنسخ مرارا ] قول ضعيف لم يقل به أحد من [ المتقدّمين ] « 3 » المعتبرين ، إلا الذين أرادوا إزالة التّناقض عن هذه الرّوايات . الخامس : أنّ عمر - رضي اللّه عنه - قال على المنبر متعتان كانتا مشروعتين في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأنا أنهى « 4 » عنهما : متعة الحجّ ، ومتعة النّكاح وهذا تنصيص منه على أنّ متعة النّكاح كانت موجودة في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقوله « وأنا أنهى » يدلّ على أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما نسخة ، وإنّما عمر هو الذي نسخه وإذا كانت كذلك ؛ وجب أن لا يصير منسوخا بنسخ عمر ، وهذا هو الحجة التي احتجّ بها عمران بن الحصين حيث قال : ولم تنزل آية بنسخ آية المتعة ، ولم ينهنا عنها حتى مات ، ثم قال رجل برأيه ما شاء ، يريد أنّ عمر نهى عنها .
--> ( 1 ) في أ : فإنما . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في أ : وإنما أنهى .