عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
30
اللباب في علوم الكتاب
قال القاضي : « كلّ واحد من هذه الوجوه صحيح ، ولكن لا يجوز قصر اللفظ عليه ؛ لأن اللفظ عام ؛ فيجب أن يتناول الكلّ ، وإن كانت الآية نزلت في واقعة معينة لكن عموم اللفظ لا يبطل بخصوص السبب . قوله : وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ في هذه الجملة احتمالان : أحدهما : أن تكون مستأنفة ، أخبر أن من باء بسخطه أوى إلى جهنم ، وتفهم منه مقابله ، وهو أن من اتّبع الرضوان كان مأواه الجنة ، وإنما سكت عن هذا ، ونص على ذلك ليكون أبلغ في الزّجر ، ولا بد من حذف في هذه الجمل ، تقديره : أفمن أتبع ما يؤول به إلى رضا اللّه فباء برضاه كمن اتبع ما يؤول به إلى سخطه ؟ الثاني : أنها داخلة في حيّز الموصول ، فتكون معطوفة على « باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ » فيكون قد وصل الموصول بجملتين : اسمية وفعلية ، وعلى كلا الاحتمالين ، لا محلّ لها من الإعراب . قوله : وَبِئْسَ الْمَصِيرُ المخصوص بالذم محذوف ، أي وبئس المصير جهنم . واشتملت الآية على الطباق في قوله : يَنْصُرْكُمُ و يَخْذُلْكُمْ وقوله : رِضْوانَ اللَّهِ و « بسخطه » والتجنيس المماثل في قوله : يَغُلَّ و بِما غَلَّ . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 163 ] هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 163 ) هُمْ دَرَجاتٌ مبتدأ وخبر ، ولا بد من تأويل [ بالإخبار ] « 1 » بالدرجات عن « هم » لأنها ليست إياهم ، فيجوز أن يكون جعلوا نفس الدرجات مبالغة ، والمعنى : أنهم متفاوتون في الجزاء على كسبهم ، كما أن الدرجات متفاوتة والأصل على التشبيه ، أي : هم مثل الدرجات في التفاوت . ومنه قوله : [ الوافر ] 1686 - أنصب للمنيّة تعتريهم * رجالي أم هم درج السّيول « 2 »
--> ( 1 ) في أ : في الأخبار . ( 2 ) البيت لابن هرمة ينظر ديوانه ص 181 ، والأزمنة والأمكنة 1 / 307 ، وخزانة الأدب 1 / 424 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 284 ، والكتاب 1 / 415 ، 416 ، ولسان العرب ( درج ) . والدر المصون 2 / 250 . استشهد به على نصب ( درج السيول ) على الظرفية ، ووقع خبرا ، لهم ، والسيرافي يقول : إن سيبويه منع أن يقاس على « مناط الثريا » ونحوه ممّا استعملوه ظرفا غيره من الأماكن ، نحو مربط الفرس إلا أن تظهر المكان ، فتقول : هو من مكان مربط الفرس ، فيجوز . ثم قال : « وقد ظهر أن سيبويه يجيز : زيد خلفك ، إذا جعلته هو الخلف ، ولم يشترط ضرورة شعر ، وهو قول المازني ، وكان الجرمي لا يجيزه إلا في ضرورة الشعر ، والكوفيون يمنعونه أشد المنع » ومما استعمل قولهم : هو من درج السيل . أي مكان درج السيل من السيل ، وكما في الشاهد الذي معنا على أن درج ظرف منصوب مع خبريته .