عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
284
اللباب في علوم الكتاب
كلّ أحد جميع أمّهاتهم ، وجميع بناتهم ، ومعلوم أنّه ليس كذلك ، بل المقصود أنه تعالى قابل الجمع بالجمع ، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، فهذا يقتضي أن اللّه تعالى قدّ حرّم على كلّ أحد أمّه خاصة ، وأخته « 1 » خاصة ، وهذا فيه نوع عدول عن الظاهر . خامسها : أنّ قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ يشعر ظاهره بسبق الحل ، إذ لو كان أبدا موصوفا بالحرمة ، لكان قوله حُرِّمَتْ تحريما لما هو في نفسه حرام ، فيكون ذلك إيجاد الموجود ، وهو محال ؛ فثبت أنّ المراد من قوله : حُرِّمَتْ ليس تجديد التحريم ، حتى يلزم الإشكال ، بل المراد الإخبار عن حصول التحريم فثبت بهذه الوجوه أن ظاهر الآية وحده غير كاف في ثبوت المطلوب . فصل [ حرمة الأمهات ثابتة من زمن آدم ] حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم - عليه السلام - إلى زماننا ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأديان الإلهيّة إلا ما نقل عن زرادشت رسول المجوس أنّه قال بحله ، وأكثر المسلمين اتفقوا على أنّه كان كذابا ، وأما نكاح الأخوات فقد نقل : أنّه كان مباحا في زمن آدم عليه السلام ، وإنّما أباحه اللّه للضرورة ، وأنكر بعضهم ذلك ، وقال : إنّه تعالى كان يبعث الجواري من الجنّة ليتزوّج بهنّ أبناء آدم عليه السّلام ، ويبعث أيضا لبنات آدم من يتزوج بهن من الحور ، وهذا بعيد ؛ لأنّه إذا كان زوجات أبنائه وأزواج بناته من الجنة فحينئذ لا يكون هذا النسل من أولاد آدم فقط ، وذلك باطل بالإجماع . فصل [ سبب التحريم ] ذكر العلماء أنّ سبب التحريم منه أنّ الوطء إذلال وإهانة ، فإنّ الإنسان يستحي من ذكره ، ولا يقدم عليه إلّا في الموضع الخالي ، وأكثر أنواع الشتم لا يكون إلا بذكره ، وإذا كان الأمر كذلك ؛ وجب صون الأمّهات [ عنه ؛ لأنّ إنعام الأم ] « 2 » على الولد أعظم وجوه الإنعام ؛ فوجب صونها عن هذا الإذلال ، والبنت بمنزلة جزء من الإنسان وبعض منه ، قال عليه السّلام : « فاطمة بضعة منّي » فيجب صونها عن هذا الإذلال ، وكذا القول في البقية . فصل [ في نسب المرأة بالولادة ] فصل كلّ امرأة يرجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمّك بدرجة أو درجات سواء رجعت إليها بذكور ، أو بإناث فهي أمّك ، ثمّ هنا بحث ، وهو أنّ لفظ الأم إن كان حقيقة في الأم الأصلية وفي الجدات ، فإمّا أن يكون لفظ الأمّ متواطئا أو مشتركا فإن كان متواطئا أعني أن يكون موضوعا بإزاء قدر مشترك بين الأمّ الأصليّة ، وبين سائر
--> ( 1 ) في ب : وبنته . ( 2 ) سقط في أ .