عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
26
اللباب في علوم الكتاب
فصل [ في المراد بهذه الآية ] فصل قال أكثر المفسّرين : إن هذه الآية على ظاهرها ، قالوا : وهو نظير قوله في مانع الزكاة : يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ [ التوبة : 35 ] ويدل عليه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة لها ثغاء ، فينادي يا محمّد ، يا محمّد ، فأقول : لا أملك لك من اللّه شيئا ، قد بلّغتك » « 1 » . وعن ابن عباس أنه قال : يمثّل له ذلك الشيء في قعر جهنم ، ثم يقال له : انزل إليه فخذه ، فينزل إليه ، فإذا انتهى إليه حمله على ظهره ، فلا يقبل منه « 2 » . قال المحققون : وفائدته أنه إذا جاء يوم القيامة ، وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادت فضيحته . وقال أبو مسلم : ليس المقصود من الآية ظاهرها ، بل المقصود تشديد الوعيد على سبيل التمثيل ، كقوله تعالى : إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [ لقمان : 16 ] فإنه ليس المقصود نفس هذا الظاهر ، بل المقصود إثبات أن اللّه لا يغرب عن علمه وعن حفظه مثقال ذرة في الأرض ، ولا في السماء ، فكذا هنا المقصود تشديد الوعيد ، والمعنى : أن اللّه يحفظ عليه هذا الغلول ، ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه ؛ لأنه لا تخفى عليه خافية . وقال الكعبيّ : المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء . قال ابن الخطيب : والأول أولى ؛ لأنه حمل الكلام على حقيقته . وقيل : معنى : يَأْتِ بِما غَلَّ أي : يشهد عليه يوم القيامة بتلك الخيانة والغلول . فصل [ في دلالة الآية على الغلول ] فصل قال القرطبيّ : دلّت هذه الآية على أن الغلول من الغنيمة كبيرة من الكبائر ، ويؤيده ما ورد من قوله صلى اللّه عليه وسلم : - في مدعم - : « والّذي نفسي بيده إنّ الشّملة الّتي أخذ يوم خيبر من المغانم ولم تصبها المقاسم - لتشتعل عليه نارا » . فلما سمع الناس ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : « شراك أو شراكان من نار » « 3 » وامتناعه من الصلاة
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 6 / 129 ) كتاب الجهاد والسير باب الغلول ( 3073 ) ومسلم ( 2 / 83 ) وأحمد ( 2 / 326 ) والبيهقي ( 9 / 101 ) وفي « شعب الإيمان ( 4330 ) . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 163 ) وزاد نسبته لابن أبي شيبة . ( 2 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 1 / 367 ) عن الكلبي . ( 3 ) أخرجه البخاري كتاب المغازي باب غزوة خيبر ( 38 ) ومسلم كتاب الإيمان ( 1 ) باب غلظ تحريم الغلول ( 46 ) ومالك في « الموطأ » ( 459 ) وأبو عوانة ( 1 / 50 ) والنسائي ( 7 / 24 ) والبيهقي ( 9 / 100 ، -