عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
239
اللباب في علوم الكتاب
وقال ابن مسعود « 1 » « بالفاحشة » هي الفعلة القبيحة . قال أهل اللّغة هي مصدر كالعاقبة والعافية ، يقال : فحش الرّجل بمعنى تفحش فحشا وفاحشة « 2 » وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول والفعل ، وأجمعوا على أنّ المراد بالفاحشة هنا الزّنا ، وإنّما تطلق الفاحشة على الزّنا لزيادتها في القبح على كثير من القبائح . فإن قيل : الكفر أقبح منه ، وقتل النفس أقبح منه ، ولا يسمّى ذلك فاحشة ؟ فالجواب من وجهين : الأوّل : أنّ الكفر لا يستحقه الكافر من نفسه ولا يعتقده قبحا « 3 » ، بل يعتقده صوابا ، وكذلك المقبل على الشجاعة يقدم عليها من يراها حسنة وأمّا الزّنا ففاعله يعلم قبحه [ ويقدم عليه ] « 4 » ويوافق على فحشه . الثاني : قال ابن الخطيب « 5 » : إنّ القوى المدبرة لقوى الإنسان ثلاثة القوى النّاطقة ، والقوّة الغضبية ، والقوّة الشّهوانية وفساد القوّة النّاطقة هو الكفر والبدعة وما يشبههما ، وفساد القوّة الغضبية هو القتل وما يشبهه وأخس « 6 » هذه القوى الثلاثة القوة الشّهوانية فلا جرم كان فسادها أخس أنواع الفساد ، فلهذا السبب خصّ هذا العمل بالفاحشة . فصل في شهود الزنا قوله : فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ أي : من المسلمين فجعل اللّه الشهادة على الزنا خاصة بأربعة تغليظا على المدّعي وسترا على العباد . وقال القرطبيّ « 7 » : وتعديل الشهود بأربعة في الزّنا حكم ثابت في التّوراة والإنجيل والقرآن « 8 » ؛ قال اللّه تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ [ النور : 4 ] وقال هنا : فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ وروى أبو داود عن جابر بن عبد اللّه : جاءت اليهود برجل وامرأة زنيا ، فقال عليه السّلام : « ائتوني بأعلم رجلين « 9 » منكم » ، فأتوه بابني صوريا فنشدهما : كيف تجدان أمر هذين في التّوراة ؟ قالا : نجد في التّوراة إذا شهد أربعة أنّهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما قال : فما يمنعكما أن ترجموهما ؟ قالا : ذهب سلطاننا فكرهنا القتل ؛ فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الشّهود فشهدوا أنّهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم برجمهما .
--> ( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 21 ، والبحر المحيط 3 / 205 . ( 2 ) في ب : وأفحش . ( 3 ) في ب : قبيحا . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) ينظر : تفسير الرازي 9 / 186 . ( 6 ) في ب : أحسن . ( 7 ) ينظر : تفسير القرطبي 5 / 56 . ( 8 ) في ب : والفرقان . ( 9 ) في أ : رجل .