عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
190
اللباب في علوم الكتاب
ونقل عن ابن عباس أنه قال : « كان الأولياء يستغنمون أكل مال اليتيم ، لئلا يكبر « 1 » فينزع المال منهم » . والثّاني : أنّهما مصدران في موضع الحال أي : مسرفين ومبادرين . وبدارا مصدر بادر والمفاعلة هنا يجوز أن تكون من اثنين على بابها ، بمعنى أن الوليّ يبادر اليتيم إلى أخذ ماله ، واليتيم يبادر إلى الكبر ، ويجوز أن يكون من واحد بمعنى : أنّ فاعل بمعنى فعل نحو : سافر وطارق « 2 » . قوله : « أن تكبروا » . فيه وجهان : أحدهما : أنه مفعول بالمصدر أي : وبدارا كبرهم ، كقوله : أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً [ البلد : 14 ، 15 ] وفي إعمال المصدر المنوّن الخلاف المشهور . والثّاني : أنّه مفعول من أجله على حذف أي : مخافة أن يكبروا ، وعلى هذا فمفعول « بدارا » محذوف ، وهذه الجملة النّهييّة فيها وجهان : أصحهما : أنها استئنافية ، وليست معطوفة على ما قبلها . والثّاني : أنّها عطف على ما قبلها ، وهو جواب الشرط ب « إن » أي : فادفعوا ولا تأكلوها ، وهذا فاسد ؛ لأن الشّرط وجوابه ، مترتّبان على بلوغ النّكاح وهو معارض لقوله : وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا فيلزم منه سبقه على ما ترتّب « 3 » عليه ، وذلك ممتنع . والمعنى : ولا تأكلوها يا معشر الأولياء « إسرافا » أي : بغير حقّ ، « وبدارا » أي : ومبادرة ، ثم بيّن ما يحلّ لهم من مالهم فقال : « وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ » أي : فليمتنع من مال اليتيم فلا يرزؤه قليلا ولا كثيرا ، والعفة الامتناع مما لا يحل . قال الواحديّ « 4 » : استعفف عن الشيء وعفّ : إذا امتنع منه وتركه . قال الزمخشريّ : « استعف أبلغ من عفّ كأنّه طالب زيادة العفّة » . قوله : وَمَنْ كانَ فَقِيراً . محتاجا إلى مال اليتيم ، وهو يحفظه ويتعمّده فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ . روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن رجلا أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « إنّي فقير وليس لي شيء ولي يتيم ، فقال : كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذّر ولا متأثّل » « 5 » .
--> ( 1 ) في ب : يكثر . ( 2 ) في ب : وفارق . ( 3 ) في أ : ترتبت . ( 4 ) ينظر تفسير الوسيط 2 / 13 . ( 5 ) أخرجه أبو داود ( 2872 ) والنسائي ( 2 / 131 ) وابن ماجة ( 278 ) وأحمد ( 2 / 186 ، 215 ) وابن الجارود في « المنتقى » ( 952 ) والبيهقي ( 6 / 284 ) من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : إني فقير . . . إلخ . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 216 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه .