عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

141

اللباب في علوم الكتاب

إذ لا تقتضي ترتيبا ؛ إلا أن الزّمخشريّ رحمه اللّه تعالى خصّ هذا الوجه بكون الخطاب [ للمؤمنين ] « 1 » في يا أَيُّهَا النَّاسُ لمعاصري الرسول عليه السلام فإنه قال : والثاني أنه يعطف على « خلقكم » ويكون الخطاب للذين بعث إليهم الرسول ، والمعنى : خلقكم من نفس آدم ؛ لأنه من جملة الجنس المفرّع [ منه ] « 2 » وخلق منها أمّكم حواء . فظاهر هذا خصوصيّة الوجه الثاني أن يكون الخطاب للمعاصرين ، وفيه نظر ، وقدّر بعضهم مضافا في « منها » أي : « من جنسها زوجها » ، وهو قول أبي مسلم « 3 » ، قال : وهو كقوله : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً [ النحل : 72 ] وقال إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ [ آل عمران : 164 ] وقوله : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ [ التوبة : 28 ] . قال : وحواء لم تخلق من آدم ، وإنما خلقت من طينة فضلت من طينة آدم « 4 » . قال القاضي « 5 » : والأول أقوى لقوله : خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ . قال ابن الخطيب : « يمكن أن يجاب بأن كلمة « من » لابتداء الغاية ، فلمّا كان ابتداء الغاية وهو ابتداء التخليق والايجاد وقع بآدم صحّ أن يقال : خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وأيضا فالقادر على خلق آدم من التراب ، [ كان قادرا أيضا على خلق حواء من التراب ] « 6 » ، وإذا كان كذلك فأيّ فائدة في خلقها من ضلع من أضلاعه » . وقرىء « وخالق وباثّ » « 7 » بلفظ اسم الفاعل ، وخرّجه الزمخشريّ على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، أي : وهو خالق وباثّ . ويقال : بثّ وأبثّ ومعناه « فرّق » ثلاثيا ورباعيا « 8 » . قال ابن المظفر « 9 » : « البثّ تفريقك الأشياء » . يقال : بثّ الخيل في الغارة ، وبثّ الصيّاد كلابه ، وخلق اللّه الخلق : بثّهم في الأرض ، وبثثت البسطة إذا نشرتها . قال تعالى : وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [ الغاشية : 16 ] . فإن قيل : ما المناسبة بين الأمر بالتقوى وما ذكر معه من الوصف ؟ فالجواب : لما ذكر أنّه خلقنا من نفس واحدة ، وذلك علة لوجوب الانقياد علينا لتكاليفه ؛ لأنا عبيده وهو

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 9 / 131 . ( 4 ) المصدر السابق . ( 5 ) زيادة من الرازي لتمام المعنى . ( 6 ) ينظر : الكشاف 1 / 462 ، والدر المصون 2 / 296 . ( 7 ) ينظر : تفسير الكشاف 1 / 462 . ( 8 ) ينظر : الدر المصون 2 / 296 ، عمدة الحفاظ 1 / 179 . ( 9 ) في أ : ابن الخطيب ينظر تفسير الرازي 9 / 132 ، معزوا لابن المظفر .