عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

126

اللباب في علوم الكتاب

خامسها : أن يكون مِنْ ذَكَرٍ صفة ثانية ل « عامل » قصد بها التوضيح ، فيتعلق بمحذوف كالتي قبلها . قوله : بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ مبتدأ وخبر ، وفيه ثلاثة أوجه : الأول : أنّ هذه الجملة استئنافية ، جيء بها لتبيين شركة النساء مع الرجال في الثّواب الذي وعد اللّه به عباده العاملين ؛ لأنه روي في سبب النزول أنّ أمّ سلمة رضي اللّه عنها قالت : يا رسول اللّه إني لأسمع الله يذكر الرّجال في الهجرة ، ولا يذكر النّساء ، فنزلت الآية . والمعنى : كما أنكم من أصل واحد ، وأن بعضكم مأخوذ من بعض ، كذلك أنتم في ثواب العمل ، لا يثاب رجل عامل دون امرأة عاملة . وعبّر الزمخشريّ عن هذا بأنها جملة معترضة ، قال : « وهذه جملة معترضة ثبت بها شركة النساء مع الرّجال فيما وعد اللّه عباده العاملين » . ويعني بالاعتراض أنها جيء بها بين قوله : عَمَلَ عامِلٍ وبين ما فصّل به عمل العامل من قوله : فَالَّذِينَ هاجَرُوا ولذلك قال الزمخشريّ : فَالَّذِينَ هاجَرُوا تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له . الثاني : أنّ هذه الجملة صفة . الثالث : أنّها حال ، ذكرهما أبو البقاء ، ولم يعيّن الموصوف ولا ذا الحال ، وفيه نظر . قال الكلبي : « بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ » في الدين والنصرة والموالاة . وقيل : كلكم من آدم وحوّاء ، وقال الضّحّاك : [ رجالكم ] شكل نسائكم ، ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعات ؛ لقوله : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [ التوبة : 71 ] . وقيل : « من » بمعنى اللام ، أي : بعضكم لبعض ومثل بعض في الثّواب على الطاعة والعقاب على المعصية . قال القفّال : هذا من قولهم : فلان مني ، أي : على خلقي وسيرتي . قال تعالى : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي [ البقرة : 249 ] وقال - عليه السّلام : « من غشّنا فليس منّا » فقوله : بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أي : بعضكم شبه بعض في استحقاق الثواب على الطّاعة والعقاب على المعصية . فصل [ في المراد بهذه الآية ] فصل ليس المراد أنه لا يضيع نفس العمل ؛ لأن العمل - كما وجد - تلاشى وفني ، بل المراد أنه لا يضيع ثواب العمل ، والإضاعة : عبارة عن ترك الإثابة ، فقوله : « لا أضيع » نفي للنفي ، فيكون إثباتا ، فيصير المعنى : إني أوصّل ثواب أعمالكم إليكم ، وإذا ثبت