عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

122

اللباب في علوم الكتاب

ثانيهما : أنّ المراد منه كونهم في جملة أتباع الأبرار ، كقوله : فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ [ النساء : 69 ] . فصل [ في احتجاجهم بهذه الآية على حصول العفو بدون التوبة ] فصل احتجوا بهذه الآية على حصول العفو بدون التوبة من وجهين : الأول : أنهم طلبوا المغفرة مطلقا ، ثم أجابهم اللّه تعالى بقوله : فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ [ آل عمران : 195 ] وهذا صريح في أنه - تعالى - قد يغفر الذنب وإن لم توجد التوبة . الثاني : أنه - تعالى - حكى عنهم إخبارهم بإيمانهم ، ثم قالوا : فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا فأتى بفاء الجزاء وهذا يدلّ على أنّ مجرد الإيمان سبب لحسن طلب المغفرة من اللّه تعالى ، ثمّ إنّ اللّه تعالى أجابهم بقوله : فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ فدلت هذه الآية على أنّ مجرد الإيمان سبب لحصول الغفران ، إما ابتداء - بأن يعفو عنهم ، ولا يدخلهم النار - أو بأن يعذّبهم مدة ، ثم يعفو عنهم ، ويخرجهم من النار . قوله تعالى : رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ في هذا الجارّ ثلاثة أوجه : أحدها : أنه متعلق ب « وعدتنا » . قال الزمخشريّ : « على - هذه - صلة للوعد ، كما في قولك : وعد اللّه الجنّة على الطّاعة ، والمعنى : ما وعدتنا على تصديق رسلك » . ثانيها : أنه متعلق بمحذوف ، على أنه حال من المفعول ، وقدّره الزمخشريّ بقوله : ما وعدتنا منزّلا على رسلك ، أو محمولا على رسلك ؛ لأنّ الرّسل محمّلون ذلك قال تعالى : فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ [ النور : 54 ] . وردّ عليه أبو حيّان : بأنّ الذي قدّره محذوفا كون مقيّد ، وقد علم من القواعد أنّ الظرف والجارّ إذا وقعا حالين ، أو وصفين ، أو خبرين ، أو صلتين تعلّقا بكون مطلق ، والجار - هنا - وقع حالا ، فكيف يقدر متعلقه كونا مقيّدا ، وهو منزّل ، أو محمول ؟ ثالثها : - ذكره أبو البقاء - أن يتعلق « على » ب « آتنا » وقدر مضافا محذوفا ، فقال : على ألسنة رسلك وهو حسن . وقرأ الأعمش : على رسلك - بسكون السّين . فإن قيل : إن الخلف في وعد اللّه - تعالى - محال ، فكيف طلبوا ما علموا أنه واقع لا محالة ؟ فالجواب من وجوه : الأول : أنه ليس المقصود من الدعاء طلب الفعل ، بل المقصود منه إظهار الخضوع والذّلّة والعبودية ، وقد أمرنا بالدعاء بأشياء نقطع بوجودها لا محالة ، كقوله : قالَ رَبِّ