عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

118

اللباب في علوم الكتاب

فصل [ في أن عموم هذه الآية مخصوص في مواضع ] فصل عموم هذه الآية مخصوص في مواضع ، منها قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [ مريم : 71 ] ثم قال : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا [ مريم : 72 ] وأهل الثّواب مصونون عن الخزي . ومنها : أنّ الملائكة - الذين هم خزنة جهنّم يكونون في النّار ، وهم - أيضا - مصونون عن الخزي ، قال تعالى : عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ التحريم : 6 ] . قوله : وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ « من » زائدة ، لوجود الشّرطين ، وفي مجرورها وجهان : أحدهما : أنه مبتدأ ، وخبره في الجارّ قبله ، وتقديمه - هنا - جائز لا واجب ؛ لأنّ النفي مسوّغ وحسّن تقديمه كون مبتدئه فاصلة . الثاني : أنه فاعل بالجارّ قبله ؛ لاعتماده على النفي ، وهذا جائز عند الجميع . فصل [ في تمسك المعتزلة بهذه الآية في نفي الشفاعة للفساق ] فصل تمسّك المعتزلة بهذه الآية في نفي الشفاعة للفسّاق ؛ وذلك لأن الشفاعة ، نوع نصرة ، ونفي الجنس يقتضي نفي النّوع ، والجواب من وجوه : أحدها : أن القرآن دلّ على أنّ الظالمين - بالإطلاق - هم الكفّار ، قال تعالى : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ البقرة : 254 ] ويؤكّده ما حكى عن الكفار من نفيهم الشفعاء والأنصار في قولهم : فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [ الشعراء : 100 - 101 ] . ثانيها : أنّ الشفيع لا يمكنه أن يشفع إلا بإذن اللّه تعالى ، قال تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ البقرة : 255 ] وإذا كان كذلك لم يكن الشفيع قادرا على النّصرة إلا بعد الإذن ، وإذا حصل الإذن ففي الحقيقة إنما ظهر العفو من اللّه تعالى ، فقوله : وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ يفيد أنه لا حكم إلا للّه ، كما قال : أَلا لَهُ الْحُكْمُ [ الأنعام : 62 ] وقال : وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ الانفطار : 19 ] . فإن قيل : فعلى هذا التقدير لا يبقى لتخصيص الظالمين - بهذا الحكم - فائدة . فالجواب : بل فيه فائدة ، لأنه وعد المؤمنين المتقين في الدّنيا بالفوز بالثّواب ، والنجاة من العقاب ، فلهم يوم القيامة هذه المنزلة ، وأما الفسّاق فليس لهم ذلك ، فصحّ تخصيصهم بنفي الأنصار على الإطلاق . ثالثها : أن هذه الآية عامة ، والأحاديث الواردة بثبوت الشفاعة خاصة ، والخاصّ مقدّم على العامّ .