عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
89
اللباب في علوم الكتاب
فصل في سبب النزول نزلت هذه الآية في عبد اللّه بن رواحة ؛ كان بينه وبين ختنه على أخيه بشير بن النّعمان شيء ، فحلف عبد اللّه ألّا يدخل عليه ، ولا يكلّمه ، ولا يصلح بينه وبين خصمه ، وإذا قيل له فيه ، قال : قد حلفت باللّه ألّا أفعل ، فلا يحلّ لي إلّا أن تبرّ يميني فأنزل اللّه هذه الآية « 1 » . وقال ابن جريج : نزلت في أبي بكر الصّدّيق ، حين حلف ألّا ينفق على مسطح حين خاض في حديث الإفك « 2 » ، ومعنى الآية : لا تجعلوا الحلف باللّه شيئا مانعا لكم من البرّ والتّقوى ، يدعى أحدكم إلى صلة الرّحم أو برّ ، فيقول : حلفت باللّه ألّا أفعله ، فيعتل بيمينه في ترك البرّ « 3 » . قوله : « وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » ختم بهاتين الصفتين ؛ لتقدّم مناسبتهما ؛ فإنّ الحلف متعلّق بالسّمع ، وإرادة البرّ من فعل القلب متعلقة بالعلم ، وقدّم السميع ؛ لتقدّم متعلّقه ، وهو الحلف . قوله تعالى : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ . واللّغو : مصدر لغا يلغو ، يقال : لغا يلغو لغوا ، مثل غزا يغزو غزوا ، ولغي يلغى لغّى مثل لقي يلقى لقّى إذا أتى بما لا يحتاج إليه من الكلام ، أو بما لا خير فيه ، أو بما يلغى إثمه ؛ كقوله - عليه الصّلاة والسّلام - « إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة : أنصت فقد لغوت » « 4 » . ومن الثاني قوله تعالى : « وَالْغَوْا فِيهِ » . قال الفرّاء : اللّغا مصدر للغيت « 5 » . قال أبو العبّاس المقري : ورد لفظ « اللّغو » في القرآن على ثلاثة أوجه : الأول : بمعنى اليمين بغير عقديّة كهذه الآية .
--> ( 1 ) ذكره ابن عطية في تفسيره ( 1 / 301 ) والسمرقندي في « تفسيره » « بحر العلوم » ( 1 / 206 ) عن الكلبي . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 432 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 479 ) عن ابن جريج . ( 3 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 200 . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 2 / 48 ) كتاب الجمعة باب الإنصات يوم الجمعة رقم ( 934 ) ومسلم ( 3 / 4 ) والنسائي ( 1 / 208 ) والترمذي ( 2 / 387 ) وابن ماجة ( 1110 ) والدارمي ( 1 / 364 ) والبيهقي ( 3 / 218 ) وأحمد ( 2 / 272 ، 393 ، 396 ، 474 ، 485 ) من طرق عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا وللحديث شاهد من حديث أبي بن كعب : أخرجه ابن ماجة ( 1111 ) وعبد اللّه بن أحمد في « زوائد المسند » ( 5 / 143 ) وقال البوصيري في « مصباح الزجاجة » ( 1 / 77 ) هذا إسناد رجاله ثقات وأورده المنذري في « الترغيب والترهيب » ( 1 / 257 ) وقال إسناده حسن . ( 5 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 66 .