عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
81
اللباب في علوم الكتاب
فشقّ ذلك عليه ، فنزلت هذه الآية « 1 » . ويحكى عن مالك إباحة ذلك ، وأنكر ذلك أصحابه « 2 » . وروي عن عبد اللّه بن الحسن ؛ أنه لقي سالم بن عبد اللّه ، فقال له : يا أبا عمر ؛ ما حدّثت بحديث نافع عن عبد اللّه ؛ أنه لم يكن يرى بأسا بإتيان النّساء في أدبارهنّ ، قال : كذب العبد وأخطأ ، إنما قال عبد اللّه : يؤتون في فروجهنّ من أدبارهنّ « 3 » ، والدّليل على تحريم الأدبار : ما روى خزيمة بن ثابت ؛ أن رجلا سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن إتيان النّساء في أدبارهنّ ، فقال - عليه الصّلاة والسّلام - : « حلال » فلما ولّى الرّجل دعاه ، فقال : « كيف قلت في أيّ الخربتين أو في الخرزتين أو في أيّ الخصفتين ، أمن قبلها في قبلها ؟
--> ( 1 ) أخرجه الدارقطني ودعلج كلاهما في « غرائب مالك » من طريق أبي مصعب وإسحق بن محمد الفروي كلاهما عن نافع عن ابن عمر كما في « الدر المنثور » ( 1 / 475 ) . ( 2 ) وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرّؤون من ذلك ؛ لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث ؛ لقوله تعالى : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ ؛ ولأن الحكمة في خلق الأزواج بثّ النّسل ؛ فغير موضع النسل لا يناله ملك النكاح ، وهذا هو الحق . وقد قال أصحاب أبي حنيفة : إنه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم ؛ ولأن القذر والأذى في موضع النجو أكثر من دم الحيض ، فكان أشنع . وأما صمام البول فغير صمام الرّحم . وقال ابن العربي في قبسه : قال لنا الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه : الفرج أشبه شيء بخمسة وثلاثين ؛ وأخرج يده عاقدا بها . وقال : مسلك البول ما تحت الثلاثين ، ومسلك الذّكر والفرج ما اشتملت عليه الخمسة ؛ وقد حرّم اللّه تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة ، فأولى أن يحرم الدّبر لأجل النجاسة اللازمة . وقال مالك لابن وهب وعليّ بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدّثون عنه أنه يجيز ذلك ؛ فنفر من ذلك ؛ وبادر إلى تكذيب الناقل فقال : كذبوا عليّ ، كذبوا عليّ ، كذبوا عليّ ! ثم قال : ألستم قوما عربا ؟ ألم يقل اللّه تعالى : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ؟ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت ! وما استدل به المخالف من أنّ قوله عزّ وجلّ : أَنَّى شِئْتُمْ شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها ، إذ هي مخصصة بما ذكرناه ، وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة ؛ كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار ؛ ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده ، وأبو داود والنّسائيّ والترمذيّ وغيرهم . وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه « تحريم المحل المكروه » . ولشيخنا أبي العباس أيضا في ذلك جزء سماه « إظهار إدبار ، من أجاز الوطء في الأدبار » . قلت : وهذا هو الحقّ المتّبع والصحيح في المسألة ، ولا ينبغي لمؤمن باللّه واليوم الآخر أن يعرّج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصحّ عنه . وقد حذّرنا من زلّة العالم . وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا ، وتكفير من فعله ؛ وهذا هو اللائق به رضي اللّه عنه . وكذلك كذّب نافع من أخبر عنه بذلك ، كما ذكر النّسائيّ ، وقد تقدّم . وأنكر ذلك مالك واستعظمه ، وكذّب من نسب ذلك إليه . وروى الدارميّ أبو محمد في مسنده عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال : قلت لابن عمر : ما تقول في الجواري حين أحمض بهنّ ؟ قال : وما التّحميض ؟ فذكرت له الدّبر ؛ فقال : هل يفعل ذلك أحد من المسلمين ! ينظر : تفسير القرطبي 3 / 63 . ( 3 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 199 .