عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

77

اللباب في علوم الكتاب

والثاني : قال أبو مسلم « 1 » : التّوبة في اللّغة عبارة عن الرّجوع ، ورجوع العبد إلى اللّه في كلّ الأحوال محمود . واعترضه القاضي « 2 » : بأن التّوبة - وإن كانت في أصل اللغة الرّجوع - إلا أنها في عرف الشّرع عبارة عن النّدم على الفعل الماضي ، والتّرك في الحاضر ، والعزم على ألّا يفعل مثله في المستقبل ؛ فوجب حمله على المعنى الشّرعيّ دون اللّغويّ . ولأبي مسلم أن يجيب : بأنّ مرادي من هذا الجواب ، أنّه إن أمكن حمل اللّفظ على التّوبة الشّرعيّة ، فقد صحّ اللّفظ ، وإن تعذّر ذلك ، حملناه على التّوبة بحسب اللّغة الأصليّة . قوله : « وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ » فيه وجوه : أحدها : المراد منه التّنزّه عن الذّنوب والمعاصي ، قاله مجاهد « 3 » . فإن قيل : كيف قدّم ذكر المذنب على من لم يذنب ؟ فالجواب : قدّمه لئلا يقنط التّائب من الرّحمة ، ولا يعجب المتطهّر بنفسه ؛ كقوله في آية أخرى : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [ فاطر : 32 ] ، قاله القرطبي « 4 » . الثاني : قال عطاء ومقاتل بن سليمان والكلبيّ : « يحبّ التّوّابين من الذّنوب ، والمتطهّرين بالماء من الأحداث والنّجاسات » « 5 » . الثالث : قال مقاتل بن حيّان : يحب التّوّابين من الذّنوب ، والمتطهّرين من الشّرك « 6 » . الرابع : قال سعيد بن جبير : التّوّابين من الشّرك ، والمتطهّرين من الذّنوب « 7 » . الخامس : أن المراد ألا يأتيها في زمان الحيض ، وألّا يأتيها في غير المأتى على ما قال : « فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ » . قال بعضهم : وهذا أولى ؛ لأنه أليق بنظم الآية ، ولأنّه - تعالى - قال حكاية عن قوم

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 60 . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 396 ) عن مجاهد . ( 4 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 61 . ( 5 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 395 ) وأورده السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 466 ) وعزاه لوكيع وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطاء . ( 6 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 198 . ( 7 ) أخرجه ابن أبي حاتم عن الأعمش بمعناه كما في « الدر المنثور » ( 1 / 466 - 467 ) .