عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
66
اللباب في علوم الكتاب
يوجب المحذور ، أولى إذا سلّمنا أنّ لفظ المحيض مشترك بين الموضع ، وبين المصدر . فإن قيل : الدّليل على أنّ المراد من المحيض الحيض قوله : « قُلْ هُوَ أَذىً » ، ولو كان المراد الموضع لما صحّ هذا الوصف . قلنا : بتقدير أن يكون المحيض عبارة عن الحيض ، فالحيض نفسه ليس بأذى لأن « الحيض » عبارة عن الدّم المخصوص ، و « الأذى » كيفيّة مخصوصة وهو عرض ، والجسم لا يكون نفس العرض فلا بدّ أن يقولوا : المراد منه أنّ الحيض موصوف بكونه أذى ، وإذا جاز ذلك فيجوز لنا أيضا أن نقول : إنّ المراد منه أنّ ذلك الموضع ذو أذّى ، وأيضا لم لا يجوز أن يكون المراد بالمحيض الأوّل الحيض ، وبالمحيض الثّاني موضع الحيض كما تقدّم وعلى هذا فيزول الإشكال . فصل في بيان مغالاة اليهود وغيرهم في أمر الحيض عن أنس بن مالك أنّ اليهود ، والمجوس كانوا يبالغون في التّباعد عن المرأة حال حيضها ، والنّصارى كانوا يجامعوهنّ ولا يبالون بالحيض ، وأنّ أهل الجاهليّة كانوا يقولون مثل قول اليهود ، والمجوس ، وكانوا إذا حاضت المرأة ؛ لم يؤاكلوها ، ولم يشاربوها ، ولم يجالسوها على فراش ، ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس ، فسئل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - عن ذلك ، فأنزل اللّه هذه الآية ، فأخذ المسلمون بظاهر الآية ، فأخرجوهنّ من بيوتهن ، فقال ناس من الأعراب : يا رسول اللّه البرد شديد ، والثّياب قليلة ، فإن آثرناهن بالثّياب ، هلك سائر أهل البيت ، وإن استأثرناها هلكت الحيض ، فقال عليه الصّلاة والسّلام : « إنّما أمرتكم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن ولم آمركم بإخراجهنّ من بيوتهنّ كفعل الأعاجم » فلمّا سمع اليهود ذلك قالوا : هذا الرّجل يريد ألّا يدع شيئا من أمرنا ، إلّا خالفنا فيه . فجاء أسيّد بن حضير وعباد بن بشر إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقالا : يا رسول اللّه إنّ اليهود تقول كذا وكذا ، أفلا ننكحهنّ في المحيض ، فتغير وجه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - حتّى ظننا أنّه غضب عليهما ، فخرجا ؛ فجاءته هديّة من لبن ، فأرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إليهما فسقاهما فعلمنا أنه لم يغضب عليهما « 1 » .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم كتاب الحيض ( 302 ) باب : جواز غسل الحائض رأس زوجها والترمذي ( 2981 ) وأبو داود ( 258 ) والنسائي ( 289 ) وابن ماجة ( 644 ) وأحمد ( 3 / 132 - 133 ) والطيالسي ( 1933 ) والبغوي في « شرح السنة » ( 314 ) وأبو عوانة ( 1 / 311 ) والبيهقي ( 1 / 313 ) وابن حبان ( 1352 ) وأبو يعلى ( 6 / 238 - 239 ) رقم ( 3533 ) . والحديث ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 461 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه .