عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

58

اللباب في علوم الكتاب

الإسلام ، وإذا كان كذلك احتجّت الكرّاميّة بهذه الآية على أنّ الإيمان عبارة عن مجرّد الإقرار ؛ لأنّه غيّا التحريم إلى الإيمان ، وهو هنا الإقرار ؛ فثبت أنّ الإيمان في عرف الشّرع عبارة عن الإقرار ، وأجيبوا بوجوه : منها : قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [ البقرة : 8 ] . ومنها : قوله تعالى : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [ الحجرات : 14 ] ؛ ولو كان الإيمان عبارة عن مجرّد الإقرار ، لكان قوله « قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا » كذبا . وأجيبوا عن التّمسّك بهذه الآية بأنّ التّصديق الذي في القلب لا يمكن الاطّلاع عليه ، فأقيم الإقرار باللّسان مقام التّصديق بالقلب . قوله : « وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ » . قال أبو مسلم « 1 » : اللام في قوله : « ولأمة » تشبه لام القسم في إفادة التّوكيد . سوّغ الابتداء ب « أمة » شيئان : لام الابتداء والوصف . وأصل « أمة » : أمو ، فحذفت لامها على غير قياس ، وعوّض منها تاء التّأنيث ك « قلة » ، و « ثبة » يدلّ على أنّ لامها واو رجوعها في الجمع ؛ قال الكلابيّ : [ البسيط ] 1077 - أمّا الإماء فلا يدعونني ولدا * إذا تداعى بنو الإموان بالعار « 2 » ولظهورها في المصدر أيضا ، قالوا : أمة بيّنة الأموّة وأقرّت له بالأموّة . وهل وزنها « فعلة » بتحريك العين ، أو « فعلة » بسكونها ؟ قولان ، أظهرهما الأوّل ، وكان قياسها على هذا أن تقلب لامها ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها كفتاة وقناة ، ولكن حذفت على غير قياس . والثاني : قال به أبو الهيثم ، فإنّه زعم أنّ جمع الأمة أمو ، وأنّ وزنها فعلة بسكون العين ، فيكون مثل نخل ، ونخلة ، فأصلها أموة ، فحذفوا لامها إذ كانت حرف لين ، فلمّا جمعوها على مثل : نخلة ونخل لزمهم أن يقولوا : أمة ، وأم ، فكرهوا أن يجعلوها حرفين ، وكرهوا أن يردّوا الواو المحذوفة لمّا كانت آخر الاسم ، فقدّموا الواو وجعلوه ألفا بين الهمزة والميم ، فقالوا : أام . وما زعمه ليس بشيء إذ كان يلزم أن يكون الإعراب على الميم ، كما كان على لام « نخل » ، وراء « تمر » ، ولكنه على التّاء المحذوفة مقدّر كما سيأتي بيانه . وجمعت على « إموان » كما تقدّم ، وعلى إماء ، والأصل : إماو ، نحو رقبة ، ورقاب ، فقلبت الواو همزة لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة ككساء . وفي الحديث : « لا

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 52 . ( 2 ) ينظر ديوانه ص 54 ، 55 ، شرح أبيات سيبويه 2 / 273 ، الكتاب 3 / 402 ، 601 ، اللسان ( أما ) ، جمهرة اللغة ص 248 ، 1302 ، ابن الشجري 2 / 53 ، الدر المصون 1 / 541 .