عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

539

اللباب في علوم الكتاب

وقال عثمان بن عفّان ، ومالك بن أنس ، وأبو عبيدة ، وجماعة : معناه : لا تشدّد علينا في التّكاليف ما لا نستطيع المقام معه ، فتعذّبنا بنقضه وتركه ؛ كما شدّدت على الذين من قبلنا ، يعني : اليهود ، فلم يقوموا به فيعذّبهم « 1 » . قال المفسّرون « 2 » : إن اللّه تعالى فرض عليهم خمسين صلاة ، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزّكاة ، ومن أصاب ثوبه نجاسة أمر بقطعها ، ومن أصاب ذنبا ، أصبح وذنبه مكتوب على بابه ، وكانوا إذا نسوا شيئا عجّلت لهم العقوبة في الدّنيا ، وكانوا إذا أتوا بخطيئة ، حرم عليهم من الطّعام بعض ما كان حلالا لهم ؛ قال تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ [ النساء : 160 ] ، ونحو ذلك ؛ كتحريمه على قوم طالوت الشّرب من النّهر ، وتعجيل تعذيبهم في الدّنيا بكونهم مسخوا قردة وخنازير . قال القفّال - رحمه اللّه تعالى - : ومن نظر « 3 » في السّفر الخامس من التّوراة التي تدّعيها هؤلاء اليهود ، وقف على ما أخذ عليه من غلظ العهود والمواثيق ، ورأى الأعاجيب الكثيرة ، فالمؤمنون سألوا ربّهم أن يصونهم عن أمثال هذه التّغليظات ، وهو بفضله ورحمته قد أزال عنهم ذلك . قال تعالى في صفة هذه الأمة : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [ الأعراف : 157 ] . وقال - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « دفع عن أمّتي الخسف والمسخ والغرق » « 4 » . وقال تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [ الأنفال : 33 ] . وقال عليه الصلاة والسلام : « بعثت بالحنيفيّة السّمحة » « 5 » والمؤمنون إنّما طلبوا هذا التّخفيف ؛ لأن التّشديد مظنّة التّقصير ، والتّقصير موجب للعقوبة ، ولا طاقة لهم بعذاب اللّه ، فلا جرم طلبوا تخفيف التّكاليف . وقيل : الإصر ذنب لا توبة له ، معناه : اعصمنا من مثله ، قالوا : والأصل فيه العقد والإحكام . قوله : « رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ » . الطّاقة : القدرة على الشيء ، وهي في الأصل ، مصدر ، جاءت على حذف الزوائد ، وكان من حقّها « إطاقة » ؛ لأنها من أطاق ، ولكن شذّت كما شذّت أليفاظ ؛ نحو : أغار

--> ( 1 ) انظر : التفسير الكبير للفخر الرازي ( 7 / 127 ) . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 127 . ( 3 ) ذكره الرازي في « التفسير الكبير » ( 7 / 127 ) . ( 4 ) ينظر : المصدر السابق . ( 5 ) تقدم .