عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
523
اللباب في علوم الكتاب
حكى عنهم ههنا كيفيّة تضرّعهم في قولهم : « رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا . . . » إلى آخر السّورة ، وهو المراد بقوله أوّل السورة : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ البقرة : 5 ] . فصل في بيان سبب النّزول قال القرطبيّ « 1 » : سبب نزول هذه الآية : الآية الّتي قبلها ، وهو قوله : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [ البقرة : 284 ] فإنه لمّا نزل هذا على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم اشتدّ ذلك على أصحاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فأتوا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ثم بركوا على الرّكب ، فقالوا : أي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : إذ كلّفنا من الأعمال ما نطيق ؛ الصّلاة والصّيام والجهاد ، وقد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها ، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : سمعنا وعصينا ، بل قولوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير » فلما قرأها القوم وذلّت بها أنفسهم ، أنزل اللّه في إثرها « آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ » إلى قوله : « غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ » فلما فعلوا ذلك ، نسخها اللّه ، فأنزل اللّه « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ » قال : نعم ، « رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا » قال : نعم « رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ » قال : نعم « وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ » قال : نعم أخرجه مسلم ، عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - « 2 » . فصل [ في معنى قوله : « آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ » ] معنى قوله : « آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ » : أنه عرف بالدّلائل القاهرة ؛ أن هذا القرآن وجملة ما فيه من الشّرائع والأحكام منزّل من عند اللّه - تعالى - ، وليس من إلقاء الشّياطين ولا السّحر والكهانة ، بل بما ظهر من المعجزات على يد جبريل - عليه الصّلاة والسّلام - . وقوله : « وَالْمُؤْمِنُونَ » فيه احتمالان : أحدهما : أنّه يتمّ الكلام عند قوله - تعالى - « وَالْمُؤْمِنُونَ » ، فيكون المعنى : آمن الرّسول والمؤمنون بما أنزل إليهم من ربّهم ، ثم ابتدأ [ بعد ] ذلك بقوله : « كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ » والمعنى : كلّ أحد من المذكورين وهم الرّسول والمؤمنون آمن باللّه . والاحتمال الثّاني : أن يتمّ الكلام عند قوله : « بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ » ثم يبتدئ
--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 275 . ( 2 ) تقدم .