عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
51
اللباب في علوم الكتاب
على الوليّ ، والشّهود ، والمراد به العقد ، وقوله - عليه الصّلاة والسلام - : « ولدت من نكاح ، ولم أولد من سفاح » « 1 » فجعل النّكاح ، كالمقابل للسّفاح . ومعلوم أنّ السّفاح مشتمل على الوطء ، فلو كان النّكاح اسما للوطء ، لامتنع كون النّكاح مقابلا للسّفاح ، وقال تعالى : وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ [ النور : 32 ] ولا يمكن حمله إلّا على العقد . وأيضا قول الأعشى في البيت المتقدّم لا يحتمل إلّا الأمر بالعقد ؛ لأنه قال : « ولا تقربنّ جارة » يعني مقاربتها على الطّريق الّذي يحرم فاعقد وتزوّج ، وإلّا فتأيّم ، وتجنّب النّساء . وقال الرّاغب « 2 » : أصل النّكاح للعقد ، ثم استعير للجماع ، ومحال أن يكون في الأصل للجماع ، ثم استعير للعقد ، لأنّ أسماء الجماع كلّها كنايات لاستقباحهم ذكره ؛ كاستقباحهم تعاطيه ، ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشا اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه ؛ قال تعالى : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [ النساء : 3 ] . وقال آخرون : هو حقيقة في الوطء ، واحتجوا بوجوه : منها قوله تعالى : فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [ البقرة : 230 ] نفي الحل ممتدّ إلى غاية النّكاح ، وليس هو العقد ؛ ومنها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « حتّى تذوقي عسيلته ، ويذوق عسيلتك » « 3 » ؛ فوجب أن يكون هو الوطء .
--> ( 1 ) أخرجه السهمي في « تاريخ جرجان » ص ( 318 ) وأبو نعيم في « أعلام النبوة » ( 1 / 11 ) والعدني في « مسنده » كما في « الدر المنثور » ( 2 / 294 ) والطبراني في « الأوسط » كما في « المجمع » ( 8 / 214 ) عن علي بن أبي طالب وقال الهيثمي : وفيه محمد بن جعفر بن محمد بن علي صحح له الحاكم في المستدرك وقد تكلم فيه وبقيه رجاله ثقات . وأخرجه الطبري في « تفسيره » ( 11 / 56 ) والبيهقي ( 7 / 19 ) وعبد الرزاق وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في « الدر المنثور » ( 2 / 294 ) عن محمد الباقر وأخرجه ابن سعد ( 1 / 32 ) من طريق عكرمة عن ابن عباس . قال الذهبي في تاريخ الإسلام ( 1 / 29 ) : هذا حديث ضعيف فيه متروكان الواقدي وأبو بكر بن أبي سبرة . وأخرجه البيهقي ( 7 / 190 ) والطبراني في « الكبير » كما في « المجمع » ( 8 / 215 ) من طريق المديني عن أبي الحويرث عن ابن عباس . قال الهيثمي : ولم أعرف المديني ولا شيخه وبقية رجاله وثقوا وأخرجه ابن سعد في « الطبقات الكبرى » ( 1 / 32 ) عن عائشة بلفظ خرجت من نكاح غير سفاح . ( 2 ) ينظر : المفردات للراغب 526 . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 7 / 76 ) كتاب الطلاق باب من أجاز طلاق الثلاث ( 5260 ) و ( 7 / 100 ) كتاب الطلاق باب إذا طلقها ثلاثا . . . رقم ( 5317 ) و ( 8 / 42 ) رقم ( 6084 ) ومسلم ( 4 / 154 - 155 )