عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
494
اللباب في علوم الكتاب
وقرأ عيسى « 1 » بن عمر والجحدريّ : « تضلّ » مبنيّا للمفعول ، وعن الجحدريّ أيضا « 2 » : « تضلّ » بضمّ التّاء ، وكسر الضّاد من أضلّ كذا ، أي : أضاعه ، فالمفعول محذوف أي : تضلّ الشّهادة . وقرأ حميد بن عبد الرحمن ومجاهد : « فتذكر » برفع الرّاء ، وتخفيف الكاف ، وزيد بن أسلم « فتذاكر » من المذاكرة . وقوله : إحداهما » فاعل ، « والأخرى » مفعول ، وهذا ممّا يجب تقديم الفاعل فيه لخفاء الإعراب ، والمعنى نحو : ضرب موسى عيسى . قال أبو البقاء « 3 » : ف « إحداهما » فاعل ، و « الأخرى » مفعول ، ويصحّ العكس ، إلا أنه يمتنع على ظاهر قول النّحويّين في الإعراب ، لأنّه إذا لم يظهر الإعراب في الفاعل والمفعول ، وجب تقديم الفاعل فيما يخاف فيه اللّبس ، فعلى هذا إذا أمن اللّبس جاز تقديم المفعول كقولك : « كسر العصا موسى » ، وهذه الآية من هذا القبيل ، لأنّ النّسيان ، والإذكار لا يتعيّن في واحدة منهما ، بل ذلك على الإبهام ، وقد علم بقوله « فتذكّر » أنّ الّتي تذكّر هي الذّاكرة ، والتي تذكّر هي النّاسية ، كما علم من لفظ « كسر » من يصحّ منه الكسر ، فعلى هذا يجوز أن يجعل « إحداهما » فاعلا ، و « الأخرى » مفعولا وبالعكس انتهى . ولمّا أبهم الفاعل في قوله : « أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما » أبهم أيضا في قوله : « فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا » ؛ لأنّ كلّا من المرأتين يجوز [ عليها ما يجوز ] على صاحبتها من الإضلال ، والإذكار ، والمعنى : إن ضلّت هذه أذكرتها هذه ، فدخل الكلام معنى العموم . قال أبو البقاء « 4 » : فإن قيل : لم لم يقل : « فتذكّرها الأخرى » ؟ قيل فيه وجهان : أحدهما : أنّه أعاد الظّاهر ، ليدلّ على الإبهام في الذّكر والنّسيان ، ولو أضمر لتعيّن عوده على المذكور . والثاني : أنه وضع الظّاهر موضع المضمر ، تقديره : « فتذكّرها » وهذا يدلّ على أن « إحداهما » الثانية مفعول مقدم ، ولا يجوز أن يكون فاعلا في هذا الوجه ؛ لأنّ المضمر هو المظهر بعينه ، والمظهر الأول فاعل « تضلّ » ، فلو جعل الضّمير لذلك المظهر ؛ لكانت النّاسية حقا هي المذكّرة ، وهو محال قال شهاب الدين - رحمه اللّه تعالى - : وقد يتبادر إلى الذهن أنّ الوجهين راجعان لوجه واحد قبل التأمّل ؛ لأنّ قوله : « أعاد الظّاهر » قريب من قوله : « وضع الظاهر موضع المضمر » . و « إحدى » تأنيث « الواحد » قال الفارسيّ : أنّثوه على غيره بنائه ، وفي هذا نظر ، بل
--> ( 1 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 382 ، والبحر المحيط 2 / 365 ، والدر المصون 1 / 679 . ( 2 ) انظر : المصدر السابق . ( 3 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 119 . ( 4 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 120 .