عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

481

اللباب في علوم الكتاب

فصل [ في اعتبار شرطين في الكتابة ] لما أمر اللّه تعالى بكتابة هذه المداينة ؛ اعتبر في الكتابة شرطين : الأوّل : أن يكون الكاتب عدلا لقوله : « وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ » وذلك أنّ قوله تعالى : « فَاكْتُبُوهُ » ظاهره يقتضي أنّه يجب على كلّ أحد أن يكتب ، لكن ذلك غير ممكن ، فقد يكون ذلك الإنسان غير كاتب ، فصار معنى قوله : « فاكتبوه » ، أي : لا بدّ من حصول هذه الكتابة وهو كقوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [ المائدة : 38 ] فإن ظاهره ، وإن كان يقتضي خطاب الكلّ بهذا الفعل ، إلّا أنّا علمنا أنّ المقصود منه أنّه لا بدّ من حصول قطع اليد من إنسان واحد ، إمّا الإمام ، أو نائبه أو المولى ، فكذا هاهنا . ويؤكّد هذا قوله تعالى : « وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ » فإنّه يدلّ على أنّ المقصود حصول الكتابة من أيّ شخص كان . قوله : « بالعدل » فيه أوجه : أحدها : أن يكون الجارّ متعلّقا بالفعل قبله . قال أبو البقاء « 1 » : « بالعدل متعلّق بقوله : فليكتب ، أي : ليكتب بالحقّ ، فيجوز أن يكون حالا ، أي : ليكتب عادلا ، ويجوز أن يكون مفعولا به أي : بسبب العدل » . قوله أولا : « بالعدل متعلّق بقوله فليكتب » يريد التعلق المعنوي ؛ لأنّه قد جوّز فيه بعد ذلك أن يكون حالا ، وإذا كان حالا تعلّق بمحذوف لا بنفس الفعل . وقوله : « ويجوز أن يكون مفعولا » يعني فتتعلق الباء حينئذ بنفس الفعل . والثاني : أن يتعلّق ب « كاتب » . قال الزّمخشريّ : « متعلّق بكاتب صفة له ، أي : كاتب مأمون على ما يكتب » ، وهو كما تقدّم في تأويل قول أبي البقاء . وقال ابن عطيّة : « والباء متعلّقة بقوله : « وليكتب » ، وليست متعلّقة بقوله « كاتب » ؛ لأنه كان يلزم ألّا يكتب وثيقة إلا العدل في نفسه ، وقد يكتبها الصّبيّ والعبد » . الثالث : أن تكون الباء زائدة ، تقديره : فليكتب بينكم كاتب بالعدل . فصل في معنى العدل في تفسير العدل وجوه : أحدها : أن يكتب بحيث لا يزيد ، ولا ينقص عنه ، ويكتب بحيث يصلح أن يكون حجّة له عن الحاجة إليه . وثانيها : لا يخصّ أحدهما بالاحتياط له دون الآخر ، بل يكتبه بحيث يكون كل

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 118 .