عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

476

اللباب في علوم الكتاب

قال القفّال « 1 » - رحمه اللّه تعالى - ويدلّ على ذلك : أنّ ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار ، وفي هذه الآية بسط شديد ؛ ألّا ترى أنّه قال تعالى « إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ » ، ثم قال ثانيا : « وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ » ، ثم قال ثالثا : « وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ » ، فكان هذا كالتّكرار لقوله : « وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ » ؛ لأنّ العدل هو ما علّمه اللّه ، ثم قال رابعا : « فليكتب » وهذا إعادة للأمر الأول ؛ ثم قال خامسا : « فليملل الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ » وفي قوله : « وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ » كفاية عن قوله : « فليملل الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ » ؛ لأنّ الكاتب بالعدل إنّما يكتب ما يملّ عليه ، ثم قال سادسا : « وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ » ، وهذا تأكيد ، ثم قال سابعا : « وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً » ، وهذا كالمستفاد من قوله : « وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ » ، ثم قال ثامنا : « ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله » ، وهو أيضا تأكيد لما مضى ، ثم قال تاسعا : « ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ ، وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا » ، فذكر هذه الفوائد الثلاثة لتلك التّأكيدات السّالفة « 2 » ، وكلّ ذلك يدلّ على المبالغة في التّوصية بحفظ المال الحلال ، وصونه عن الهلاك ؛ ليتمكن الإنسان بواسطته من الإنفاق في سبيل اللّه ، والإعراض عن مساخط اللّه : من الرّبا ، وغيره ، والمواظبة على تقوى اللّه . الوجه الثاني : قال بعض المفسرين « 3 » : إنّ المراد بهذه المداينة « السّلم » فإن اللّه تبارك وتعالى لما منع من الرّبا في الآية المتقدّمة ؛ أذن في السّلم في هذه الآية ، مع أنّ جميع المنافع المطلوبة من الرّبا حاصلة في السّلم ، وبهذا قال بعض العلماء : لا لذّة ، ولا منفعة يوصل إليها بالطّريق الحرام ، إلا واللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - سبحانه وتعالى - وضع لتحصيل تلك اللّذّة طريقا حلالا ، وسبيلا مشروعا . فصل [ في معني تداين ] قال سعيد بن المسيّب : بلغني أنّ أحدث القرآن بالعرش آية الدّين « 4 » . التداين تفاعل من الدّين كتبايع من البيع ، ومعناه : داين بعضكم بعضا ، وتداينتم : تبايعتم بدين . يقال : داينت الرجل أي : عاملته بدين ، وسواء كنت معطيا ، أم آخذا ؛ قال رؤبة : [ الرجز ]

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 94 . ( 2 ) في ب : السابقة . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 94 . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 56 ) عن سعيد بن المسيب وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 654 ) وعزاه للطبري .