عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

474

اللباب في علوم الكتاب

فيه من الشّدة ، والأهوال ، واتقاء تلك الأهوال لا يمكن إلّا في دار الدّنيا بمجانبة المعاصي ، وفعل الواجبات ؛ فصار قوله : « وَاتَّقُوا يَوْماً » يتضمن الأمر بجميع أنواع التكليف . قال جمهور العلماء : المراد بهذا اليوم المحذّر منه هو يوم القيامة . وقيل يوم الموت ، قال ابن عطية : والأول أصحّ . فصل [ في معني الرجوع إلى اللّه ] اعلم أنّ الرجوع إلى اللّه ليس المراد منه ، ما يتعلق بالمكان والجهة ؛ فإن ذلك محال على اللّه تعالى ، وليس المراد الرجوع إلى علمه ، وحفظه ؛ فإنه معهم أينما كانوا ، لكن كل ما في القرآن من الرجوع إلى اللّه ، فله معنيان : الأول : أن الإنسان له ثلاثة أحوال مرتّبين ، فالأولى : كونهم في بطون أمّهاتهم لا يملكون نفعهم ، ولا ضرّهم ؛ بل المتصرف فيهم ليس إلّا اللّه تعالى . والثانية : بعد خروجهم من البطون ، فالمتكفل بإصلاح أحوالهم في أوّل الأمر الأبوان ، ثم بعد ذلك ، يتصرف بعضهم في بعض ، في حكم الظاهر . الثالثة : بعد الموت وهناك لا يتصرف فيهم إلّا اللّه تعالى ، فكأنه بعد الخروج عن الدنيا عاد إلى الحالة التي كان عليها قبل الدخول في الدنيا ، فهذا معنى الرجوع إلى اللّه . المعنى الثاني : أن المراد يرجعون إلى ما أعدّ اللّه لهم من ثواب ، وعقاب . قوله : « ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ » معناه : أنّ المكلف يصل إليه جزاء عمله بالتمام ، كما قال : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ، 8 ] ، وقال : وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [ الأنبياء : 47 ] . وفي تأويل قوله : « ما كَسَبَتْ » وجهان : أحدهما : فيه حذف تقديره : جزاء ما كسبت . والثاني : أنّ المكتسب إنّما هو الجزاء في الأصل ، فقوله « ما كَسَبَتْ » معناه : ذلك الجزاء وهذا أولى ؛ لأنه لا يحتاج إلى الإضمار . قوله : « وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » جملة حالية من « كلّ نفس » وجمع اعتبارا بالمعنى ، وأعاد الضمير عليها أولا مفردا في « كسبت » اعتبارا باللفظ ، وقدّم اعتبار اللفظ ؛ لأنه الأصل ، ولأنّ اعتبار المعنى وقع رأس فاصلة ؛ فكان تأخيره أحسن . قال أبو البقاء « 1 » : ويجوز أن يكون حالا من الضمير في : « يرجعون » على القراءة بالياء ، ويجوز أن يكون حالا منه - أيضا - على القراءة بالتاء ، على أنّه خروج من

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 118 .