عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

47

اللباب في علوم الكتاب

وثالثها : أن قوله تعالى « فَإِخْوانُكُمْ » يدلّ على أنّ المراد هو هذا النّوع ؛ لأنّ اليتيم لو لم يكن من أولاد المسلمين لوجب أن يتحرى إصلاح أمواله كما يتحراه إذا كان مسلما ؛ فوجب أن تكون الإشارة بقوله « فإخوانكم » إلى نوع آخر من المخالطة . ورابعها : أنّ المخالطة المندوب إليها هي في اليتامى الذين هم إخوان لكم بالإسلام ، فهم الذين ينبغي أن تناكحوهم ، ليتأكد الاختلاط فإن كان اليتيم من المشركين ، فلا تفعلوا ذلك . قال القرطبيّ « 1 » : ما ينفقه الوصيّ والكفيل له حالتان : حالة لا يمكنه الإشهاد عليها ، فقوله مقبول بغير بيّنة . وحالة يمكنه الإشهاد عليها ، فمهما اشترى من العقار ، وما جرت العادة بالتّوثق فيه ، لم يقبل قوله بغير بيّنة . وفرّق أصحابنا بين أن يكون اليتيم في دار الوصيّ ، وينفق عليه فلا يكلف الإشهاد على نفقته ، وكسوته ، لأنّه يتعذر عليه الإشهاد على ما يأكله ، ويلبسه في كلّ وقت ، ولكن إذا قال : أنفقت نفقة لسنة ، قبل منه ، وبين أن يكون عند أمّه ، أو حاضنته فيدعي الوصي أنّه كان ينفق عليه ، أو كان يعطي الأمّ أو الحاضنة فلا يقبل منه إلّا ببيّنة أنّها كانت تقبض ذلك له مشاهرة أو مساناة . فصل [ في أن هذه الآية أصل لما يفعله الرفقاء في الأسفار ] قال أبو عبيد : هذه الآية عندي أصل لما يفعله الرّفقاء في الأسفار ، فإنّهم يتقاسمون النّفقات بينهم بالسّويّة ، وقد يتفاوتون في قلّة المطعم ، وكثرته ، وليس كلّ من قلّ مطعمه تطيب نفسه بالتّفضّل على رفيقه ، فلمّا كان هذا في أموال اليتامى واسعا ؛ كان في غيرهم أوسع ، ولولا ذلك لخفت أن يضيّق فيه الأمر على النّاس . قوله تعالى : « وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ » ؛ أي : المفسد لأموالهم من المصلح لها ، يعني : الذي يقصد بالمخالطة الخيانة ، وإفساد مال اليتيم ، وأكله بغير حقّ من الذي يقصد الإصلاح . وقيل : « يعلم » ضمير من أراد الإفساد ، والطّمع في مالهم بالنّكاح من المصلح ، يعني : إنّكم إذا أظهرتم من أنفسكم إرادة الإصلاح ، فإذا لم تريدوا ذلك بقلوبكم ، بل كان المراد منه عرضا آخر [ فاللّه مطّلع ] « 2 » على ضمائركم عالم بما في قلوبكم ، وهذا تهديد عظيم ؛ وذلك لأنّ اليتيم لا يمكنه رعاية الغبطة لنفسه ، وليس له أحد يراعيها ، فكأنّه تعالى قال : لما لم يكن أحد يتكفّل بمصالحه ، فأنا متكفّل به ، وأنا المطالب لوليّه بذلك .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 43 . ( 2 ) في ب : فاستطلع .