عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

467

اللباب في علوم الكتاب

فأوردت عليهم إشكالا في هذا الباب ، فقلت : إنكم تقولون : إنّ « كان » إذا كانت ناقصة ، أنها تكون فعلا ؛ وهذا محال ؛ لأن الفعل ما دلّ على اقتران حدث بزمان ، فقولك « كان » يدل على حصول معنى الكون في الزمان الماضي ، وإذا أفاد هذا المعنى ، كانت تامة ، لا ناقصة ، فهذا الدليل يقتضي أنها إن كانت فعلا ، كانت تامة لا ناقصة ، وإن لم تكن تامة لم تكن فعلا البتة ؛ بل كانت حرفا ، وأنتم تنكرون ذلك ؛ فبقوا في هذا الإشكال زمانا طويلا ، وصنّفوا في الجواب عنه كتبا ، وما أفلحوا فيه ، ثم انكشف لي فيه سرّ أذكره - هاهنا - وهو : أنّ « كان » لا معنى له إلّا أنه حدث ، ووقع ، ووجد إلّا أن قولك وجد ، وحدث على قسمين : أحدهما : أن يكون المعنى وجد ، وحدث الشيء ؛ كقولك : وجد الجوهر ، وحدث العرض . والثاني : أن يكون المعنى وجد ، وحدث موصوفية الشيء بالشيء ، فإذا قلت : كان زيد عالما ، فمعناه : حدث في الزمان الماضي موصوفية زيد بالعلم . والقسم الأول هو المسمّى ب « كان » التامة . والقسم الثاني : هو المسمّى ب « الناقصة » وفي الحقيقة : فالمفهوم من « كان » في الموضعين هو الحدوث ، والوقوع إلّا أنه في القسم الأول المراد حدوث الشيء في نفسه فلا جرم كان الاسم الواحد كافيا والمراد في القسم الثاني حدوث موصوفية أحد الأمرين بالآخر ، فلا جرم لم يكن الاسم الواحد كافيا ، بل لا بدّ فيه من ذكر الاسمين حتى يمكنه أن يشير إلى موصوفية أحدهما بالآخر ، وهذا من لطائف الأبحاث . فأما إن قلنا إنه فعل ، كان دالّا على وقوع المصدر في الزمان الماضي فحينئذ تكون تامة لا ناقصة ، وإن قلنا إنه ليس بفعل بل حرف ، فكيف يدخل فيه الماضي والمستقبل ، والأمر ، وجميع خواصّ الأفعال ؟ وإذا حمل الأمر على ما قلناه ، تبيّن أنه فعل وزال الإشكال بالكلية . المفهوم الثالث ل « كان » أن تكون بمعنى « صار » ؛ وأنشدوا : [ الطويل ] 1271 - بتيهاء قفر والمطيّ كأنّها * قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها « 1 » وعندي أنّ هذا اللفظ - هاهنا - محمول على ما ذكرناه ، فإنّ معنى « صار » أنّها حدثت موصوفية الذات بهذه الصفة ، بعد أنها ما كانت موصوفة بذلك ؛ فتكون « كان » هنا أيضا بمعنى حدث ، ووقع ؛ إلّا أنه حدوث مخصوص وهو أنه حدث موصوفية الذات بهذه الصفة ، بعد أن كان الحاصل موصوفية الذات بصفة أخرى .

--> ( 1 ) تقدم برقم 387 .