عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

456

اللباب في علوم الكتاب

عاد إلى الكلام المتقدم ، وهو استحلال الرب ا « فأمره إلى اللّه » ثم هذا الإنسان إمّا أن يقال : إنه كما انتهى عن استحلال الربا ، انتهى - أيضا - عن أكل الربا ، وليس كذلك ؛ فإن كان الأول كان هذا الشخص مقرا بدين اللّه عالما بتكليف اللّه تعالى ؛ فحينئذ يستحق المدح والتعظيم ، لكنّ قول ه « فأمره إلى اللّه » ليس كذلك ؛ لأنه يدلّ على أنه تعالى إن شاء عذّبه ، وإن شاء غفر له ، فثبت أن هذه الآية لا تليق بالكافر ، ولا بالمؤمن المطيع ، فلم يبق إلّا أنها تختصّ بمن أقرّ بحرمة الرّبا ، ثم أكل الربا ؛ فهذا أمره إلى اللّه إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له ، فهو كقوله إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] . ثم قال : « وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ » أي ومن عاد إلى استحلال الربا ، حتى يصير كافرا ، وفيها دليل على أنّ الخلود لا يكون إلّا للكافر . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 276 ] يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ( 276 ) قوله تعالى : « يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي » : الجمهور على التخفيف في الفعلين من : محق ، وأربى . وقرأ « 1 » ابن الزبير : ورويت عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - « يمحّق ، ويربّي » بالتشديد فيهما . والمحق : النقص ، يقال : محقته فانمحق ، وامتحق ؛ ومنه المحاق في القمر ؛ قال : [ البسيط ] 1261 - يزداد حتّى إذا ما تمّ أعقبه * كرّ الجديدين نقصا ثمّ ينمحق « 2 » وأنشد ابن السّكّيت : [ الطويل ] 1262 - وأمصلت مالي كلّه بحياته * وما سست من شيء فربّك ماحقه « 3 » ويقال : هجير ما حق : إذا نقص كلّ شيء بحرّه . وقد اشتملت هذه الآية على نوعين من البديع : أحدهما : الطّباق في قوله : « يمحق ، ويربي » فإنهما ضدّان ، نحو : أَضْحَكَ وَأَبْكى [ النجم : 43 ] . والثاني : تجنيس التغاير في قوله : « الرّبا ، ويربي » إذ أحدهما اسم والآخر فعل . فصل في بيان وجه النّظم لما كان الداعي إلى فعل الرّبا ، تحصيل الزيادة ، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقص الخيرات - بيّن تعالى - هاهنا - أنّ الربا وإن كان زيادة ، فهو نقصان في الحقيقة ، وأن الصدقة وإن كانت نقصا في الصورة ، فهي زيادة في المعنى ، فلا يليق

--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 2 / 350 ، المحرر الوجيز 1 / 373 ، والدر المصون 1 / 663 . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 2 / 346 ، الدر المصون 1 / 664 . ( 3 ) ينظر : إصلاح المنطق ( 279 ) ، والدر المصون 1 / 664 .