عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
440
اللباب في علوم الكتاب
يدلّ على انتفاء السؤال في الآية » . وأطال ابن عطية في تقرير هذا ، وجوابه ما تقدم : من أنّ المراد نفي الشيئين ، لا بالطريق المذكور في البيت ، وكان الشيخ قد قال قبل ما حكيته عنه آنفا : « ونظير هذا : ما تأتينا فتحدثنا » فعلى الوجه الأول : يعني نفي القيد وحده : ما تأتينا محدّثا ، إنما تأتي ولا تحدّث . وعلى الوجه الثاني : يعني نفي الحكم بقيده ب « ما يكون منك إتيان ، فلا يكون حديث » ، وكذلك هذا : لا يقع منهم سؤال ألبتّة ، فلا يقع إلحاح ، ونبّه على نفي الإلحاح دون غير الإلحاح ؛ لقبح هذا الوصف ، ولا يراد به نفي هذا الوصف وحده ، ووجود غيره ؛ لأنه كان يصير المعنى الأول ، وإنما يراد بنفي هذا الوصف ، نفي المترتبات على المنفيّ الأول ؛ لأنه نفى الأولى على سبيل العموم ، فتنتفي مترتّباته ، كما أنك إذا نفيت الإتيان ، فانتفى الحديث ، انتفى جميع مترتّبات الإتيان : من المجالسة ، والمشاهدة ، والكينونة في محلّ واحد ، ولكن نبّه بذكر مترتّب واحد ؛ لغرض ما على ذكر سائر المترتّبات » وهذا يقرر ما تقدّم . وأمّا الزمخشريّ : فكأنه لم يرتض تشبيه الزجاج ، فإنه قيل : « وقيل : هو نفي للسؤال والإلحاف جميعا ؛ كقوله : [ الطويل ] 1245 - على لاحب لا يهتدى بمناره * . . . « 1 » يريد نفي المنار والاهتداء به » . قال شهاب الدين : وطريق أبي إسحاق الزجاج هذه ، قد قبلها الناس ، ونصروها ، واستحسنوا تنظيرها بالبيت ؛ كالفارسيّ ، وأبي بكر بن الأنباريّ ، قال أبو عليّ : لم يثبت في قوله : « لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً » مسألة فيهم ؛ لأن المعنى : ليس منهم مسألة ، فيكون منهم إلحاف ، ومثل ذلك قول الشاعر : [ السريع ] 1246 - لا يفزع الأرنب أهوالها * ولا ترى الضّبّ بها ينجحر « 2 » أي : ليس فيها أرنب ؛ فيفزع لهولها ، ولا ضبّ فينجحر ، وليس المعنى : أنه ينفي الفزع عن الأرنب ، والانجحار عن الضب . وقال أبو بكر : تأويل الآية : لا يسألون البتة ، فيخرجهم السؤال في بعض الأوقات إلى الإلحاف ؛ فجرى هذا مجرى قولك : فلان لا يرجى خيره ، أي : لا خير عنده البتة فيرجى ؛ وأنشد قول امرئ القيس : [ الطويل ]
--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 1 / 658 . ( 2 ) البيت لابن أحمر : ينظر أمالي ابن الشجري 1 / 192 ، الخصائص 3 / 165 ، أمالي المرتضى 1 / 229 ، خزانة الأدب 10 / 192 ، الدر المصون 1 / 658 .