عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
431
اللباب في علوم الكتاب
الثالث : معناه لا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم الذي يفيد المدح ؛ حتى تبتغوا بذلك وجه اللّه . فصل في ذكر الوجه في قوله « إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ » إذا قلت : فعلته لوجه زيد ، فهو أشرف في الذكر من قولك : فعلته له ؛ لأن وجه الشيء أشرف ما فيه ، وإذا قلت : فعلت هذا الفعل له ، فيحتمل أن يقال فعلته له ولغيره ، أما إذا قلت : فعلت هذا الفعل لوجهه ، فهذا يدل على أنّك فعلت هذا الفعل له فقط وليس لغيره فيه شركة . فصل في بيان عدم صرف الزكاة لغير المسلم أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير مسلم ؛ فتكون هذه الآية مختصة بصدقة التطوع ، وجوّز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة ، وأباه غيره ؛ وعن بعض العلماء : لو كان شر خلق اللّه ، لكان لك ثواب نفقتك . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 273 ] لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 273 ) قوله تعالى : « لِلْفُقَراءِ » الآية : في تعلّق هذا الجارّ خمسة أوجه : أحدها : - وهو الظاهر - أنه متعلّق بفعل مقدر ، يدلّ عليه سياق الكلام ، واختلفت عبارات المعربين فيه ، فقال مكي « 1 » - ولم يذكر غيره - : « أعطوا للفقراء » ، وفي هذا نظر ؛ لأنه يلزم زيادة اللام في أحد مفعولي أعطى ، ولا تزاد اللام إلا لضعف العامل : إمّا بتقدّم معموله ؛ كقوله تعالى : لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [ يوسف : 43 ] ، وإمّا لكونه فرعا ؛ نحو قوله تعالى : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [ هود : 107 ] ويبعد أن يقال : لمّا أضمر العامل ، ضعف ؛ فقوي باللام ، على أنّ بعضهم يجيز ذلك ، وإن لم يضعف العامل ، وجعل منه رَدِفَ لَكُمْ [ النمل : 72 ] ، وسيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى . وقدّره أبو البقاء « 2 » : « اعجبوا للفقراء » وفيه نظر ، لأنه لا دلالة من سياق الكلام على العجب . وقدّره الزمخشريّ : « اعمدوا ، أو اجعلوا ما تنفقون للفقراء » والأحسن من ذلك ما قدّره مكي ، لكن فيه ما تقدّم . الثاني : أنّ هذا الجارّ خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : الصدقات أو النفقات التي تنفقونها للفقراء ، وهو في المعنى جواب لسؤال مقدّر ، كأنهم لما حثّوا على الصدقات ، قالوا : فلمن هي ؟ فأجيبوا بأنها لهؤلاء ، وفيها بيان مصرف الصّدقات . وهذا اختيار ابن الأنباري .
--> ( 1 ) ينظر : المشكل 1 / 115 . ( 2 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 116 .