عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

43

اللباب في علوم الكتاب

والثاني : أنها للتّعليل وهو بعيد . والكاف في « كذلك » تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أو للسامع ، فتكون على أصلها من مخاطبة المفرد . والثاني : أن تكون خطابا للجماعة ، فيكون ذلك ممّا خوطب به الجمع بخطاب المفرد ، ويؤيّده قوله « لكم » ، و « لعلّكم » ، وهي لغة للعرب ، يخاطبون في اسم الإشارة بالكاف مطلقا ، وبعضهم يستغني عن الميم بضمّة الكاف ؛ قال : [ الرجز ] 1072 - وإنّما الهالك ثمّ التّالك * ذو حيرة ضاقت به المسالك كيف يكون النّوك إلّا ذلك « 1 » فصل [ في قوله تعالي « فِي الدُّنْيا » ] قوله تعالى : « فِي الدُّنْيا » : فيه خمسة أوجه : أظهرها : أن يتعلّق بيتفكّرون على معنى : يتفكّرون في أمرهما ، فيأخذون ما هو الأصلح ، ويؤثرون ما هو أبقى نفعا . والثاني : أن يتعلّق ب « يبيّن » ، ويروى معناه عن الحسن ، وحينئذ يحتمل أن يقدّر مضاف ، أي : في أمر الدّنيا والآخرة ، ويحتمل ألّا يقدّر ، لأنّ بيان الآيات ، وهي العلامات يظهر فيها . وجعل بعضهم قول الحسن من التّقديم ، والتأخير ، أي : لذلك يبيّن اللّه لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة لعلّكم تتفكّرون في الدنيا وزوالها وفنائها ، فتزهدون فيها ، وفي إقبال الآخرة ، ووقوعها ، فترغبون فيها . ثم قال : ولا حاجة لذلك ، لحمل الكلام على ظاهره ، يعني من تعلّق في الدّنيا ب « تتفكّرون » . وهذا ليس من التّقديم والتّأخير في شيء ؛ لأنّ جملة التّرجّي جارية مجرى العلّة فهي متعلّقة بالفعل معنى ، وتقديم أحد المعمولات على الآخر ، لا يقال فيه تقديم وتأخير ويحتمل أن تكون اعتراضية ، فلا تقديم ، ولا تأخير . والثالث : أن تتعلّق بنفس « الآيات » لما فيها من معنى الفعل ، وهو ظاهر قول مكي فيما فهمه عنه ابن عطيّة . قال مكّيّ : « معنى الآية أنه يبيّن للمؤمنين آيات في الدّنيا ، والآخرة يدلّ عليها ، وعلى منزلتها لعلّهم يتفكّرون في تلك الآيات » قال ابن عطيّة : « فقوله : في الدنيا ، يتعلّق على هذا التّأويل بالآيات » وما قاله عنه ليس بظاهر ؛ لأنّ شرحه الآية لا يقتضي تعلّق الجار بالآيات . ثمّ إن عنى ابن عطية بالتعلّق التعلّق الاصطلاحي ، فقال أبو حيان « فهو فاسد ، لأنّ « الآيات » لا تعمل شيئا ألبتّة ، ولا يتعلّق بها ظرف ، ولا مجرور » وقال شهاب الدّين : وهذا من الشّيخ فيه نظر ، فإنّ الظّروف تتعلّق بروائح الأفعال ، ولا شكّ أنّ معنى الآيات العلامات الظّاهرة ، فيتعلّق بها الظّرف على هذا . وإن

--> ( 1 ) ينظر : الهمع 1 / 87 ، الدرر 1 / 239 ، والدر المصون 1 / 238 .