عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

429

اللباب في علوم الكتاب

وهما مشركتان ؛ فقالت : لا أعطيكما حتى أستأمر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فإنكما لستما على ديني ، فاستأمرته في ذلك ؛ فنزلت هذه الآية ؛ فأمرها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن تتصدق عليهما « 1 » . الثاني : كان أناس من الأنصار ، لهم قرابة من قريظة والنّضير ، وكانوا لا يتصدقون عليهم ، ويقولون ما لم تسلموا لا نعطيكم شيئا ؛ فنزلت هذه الآية الكريمة « 2 » . الثالث : قال سعيد بن جبير : كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة ، فلما كثر فقراء المسلمين ، نهى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - عن التصدق على المشركين ؛ كي تحملهم الحاجة على الدخول في الإسلام ؛ فنزلت الآية « 3 » الكريمة فتصدق عليهم والمعنى على جميع الروايات : ليس عليك هدى من خالفك ؛ حتى تمنعهم الصدقة ؛ لأجل أن يدخلوا في الإسلام ، فتصدق عليهم ، لوجه اللّه ، ولا توقف ذلك على إسلامهم ، والمراد بهذه الهداية هداية التوفيق ، وأما هداية البيان ، والدعوة ، فكان على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - . وظاهر هذه الآية أنها خطاب مع النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - ولكن المراد به هو ، وأمّته ؛ ألا تراه قال : « إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ » وهذا عامّ ، ثم قال : « لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ » وظاهره خاصّ ، ثم قال بعده « وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ » وهذا عامّ ، فيفهم من عموم ما قبل الآية الكريمة ، وعموم ما بعدها : عمومها أيضا . فصل في بيان هداية اللّه للمؤمنين دلّت هذه الآية الكريمة على أن هداية اللّه تبارك وتعالى غير عامّة ، بل هي مخصوصة بالمؤمنين ، لأن قوله تعالى : « وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ » إثبات للهداية المنفيّة بقوله : « لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ » ولكنّ المنفي بقوله تعالى : « لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ » هو حصول الاهتداء ، على سبيل الاختيار ، فكان قوله : « وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ » عبارة عن حصول الاهتداء على سبيل الاختيار ، وهذا يقتضي أن يكون الاهتداء الحاصل بالاختيار واقعا بتقدير اللّه تعالى ، وتخليقه وتكوينه ؛ وهو المطلوب . وحمله المعتزلة على أنه يهدي بالإثابة ، والألطاف ، وزيادة الهدى ؛ وهو مردود بما قررناه . قوله : « فَلِأَنْفُسِكُمْ » خبر لمبتدأ محذوف ، أي : فهو لأنفسكم شرط وجوابه ، « والخير » في هذه الآية المال ؛ لأنه اقترن بذكر الإنفاق ، فهذه القرينة تدل على أنه المال ، ومتى لم يقترن بما يدلّ على أنه المال ، فلا يلزم أن يكون بمعنى المال ؛ نحو قوله : خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [ الفرقان : 24 ] وقوله : مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ] ونحوه .

--> ( 1 ) انظر : تفسير الفخر الرازي ( 7 / 67 ) . ( 2 ) انظر : المصدر السابق . ( 3 ) انظر : المصدر السابق .